الكلبةَ المسعورةَ إيَّاهَا… من جديد!

عبد الحميد بن حميد بن عبد الله الجامعي

خرجت علينا الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ أَمسِ (الكلبةُ المسعورةُ في مقالةٍ سابقة) وهي تنهشُ قرارا إنسانيا واجبا، لا يكاد يكون في مجلس الأمن بخصوصِ الحرب في غزة، ووجوبِ إيقافها الفوري، ونجدةِ صغارها ونساءها وشيوخها ومرضاها بالماء والدواء والغذاء، حتى قضت عليه بالڤيتو اللعينِ، الملطخِ بالدماءِ والعارِ، وللمرةِ السادسةِ على التوالي خلال الحرب!

لم يَعُد خافيا الآنَ (ومن قبلُ) أن مَنْ يقومُ بالإبادةِ في غزةُ هي الولاياتُ المتحدة الأمريكية وإدارتُها الإرهابية أكثرَ من كيانِ الاحتلال اللقيط، وأنَّ مجرمَ الحربِ الذي يجبُ أنُ تصدرَ فيه مذكرةُ توقيفٍ من قِبَلِ محكمةِ العدلِ الدولية هو ترامب، الرئيسُ الأمريكي وزبانيتُه، أكثرَ من النتن وحلفِه، وأن ابنَ العلقمي الحديث (دول التطبيع العربية ومن يسير في فلكها) شريكٌ لهما في الإبادة، وفي سفكِ تلكم الدماءِ الطاهرة، وسببٌ أولٌ ورئيسٌ في غياب الرد الفعلي الجمعي لما يُسمى بالأمة العربية والإسلامية (والعروبة والإسلام من أكثرها براء)، رغم قممِها المتعاقبة، في صورةٍ يتجلَّى فيه معنى قولِه سبحانه: (لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ) التوبة/ ٤٧، وهكذا تفعل هذه الدول العربية المريضةُ في منظومتها الرسمية، ومستنقعات أبواقها الإعلامية، فهي تخرج في القمم والمؤتمرات المعنية بالمدافعة الواجبة، بل قد يستبق بعضها فيخرج قبل إقامة القمة، في رحلة مكوكية بين الدول العربية المعنية، رغبةً – فيما يظهر- في منع إقامتها حتى شكليا، أو ضمانِ عدم جدواها عمليا، فتنشرُ الخبالَ والتخدير، وتعملُ على الإيضاع والتكسير لأيِّ قرارٍ حرٍّ يمكن أن يصدر جَمْعِيًّا، وفي هذه

القمم (العربية والإسلامية) حكوماتُ دول سمَّاعون لهم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر، تماما كما تفعل كلبةُ مجلس الأمن المسعورة، ولكن بصورة باردة غير خشنة، وبدون الحاجة لڤيتو قذر رسمي.

لم تَعُدْ قضيةُ غزةَ عربيةً ولا إسلامية، فقد تجاوزت هذينِ العُنوَانينِ لبؤس دولهما وأنظمتهما، ووصلت لتكونَ قضيةً إنسانية عالمية، معنيٌّ بها كلُّ كيانٍ حرٍّ، فردٍ أو مؤسساتٍ أو حكوماتٍ بشكل مستقل أحادي، فقد أثبتت التكتلاتُ الأممية والإقليمية والتجمعاتُ ومواثيقُها وقيمُها أنها حبرٌ على ورق، وهنا لا أعني تكتلاتِ الدول العربية والإسلامية (مجلس التعاون والجامعة العربية…إلخ)، فهذه قد كُبِّرَ عليها أربعا، ووريت الثرى، منذ نشأتها، والمشاركةُ فيها من قِبَلِ الدول الشريفة والصادقة -لا سيما في سياقنا المعاش- إنما هو تلطيخٌ ليدها بقذارة بقية الدول العضو فيها، قراراتٍ واتجاهاتٍ وخياناتٍ وبَيعًا للذمم، والأَولَى اليومَ لكل دولةٍ عربية و إسلامية تحترم ذاتها، وتحترم قيمها تعليقُ عضويتها، إن تعذر تعليقُ عضوية الفئة الضالة ( أحفاد ابن العلقمي) فيها، أو أقلُّها تحركُها بعيدا عنها، وعدمُ التعويل عليها أو انتظارِها، وإيجادُ تكتلاتٍ حرةٍ حقيقيةٍ وصادقةٍ وصحيةٍ تتعاون معها، وذلك لغلبة الفريق السرطاني الخبيث المهيمن على قرار هذه التكتلات.

لقد أدركت الدولُ الحرةُ في العالم التي تحترم نفسَها وقيمَها وترفضُ الازدواجيةَ والنفاقَ هذا الوضعَ البئيسَ لهذه التكتلات، وسوءَ ما عليه النظامُ العالمي، وسيطرةَ اللوبي الصهيوني المجرم على مراكز صنع القرار الدولي، فانتفضت وحدها، واستخدمت قراراتٍ سياديةً لأداء واجبها، فحاصرت الكيان، وأغلقت عليه مجالاتها المختلفة، ولم تنتظر التكتلَ الذي تنتمي إليه ليقررَ موقفها، كما أسبانيا وبعض الدول الأوربية بالنظر إلى الاتحاد الأوربي، وقامت الشعوبُ بدورها وتكوين مؤسساتها المدنية المعنية بنصرة غزة وفلسطين، كمنظمة هند رجب، التي تعنى بتتبع الجنود الصهاينة مرتكبي جرائم الحرب، وتضييق عيشهم، ومطاردتهم في سياحتهم وتنقلاتهم، وتوجيه طلبات اعتقال بحقهم للسلطات الرسمية، كما قامت المؤسسات الفردية، الصغيرة والكبيرة، والنقابات العمالية الحرة بذات الفعل الشريف، فكم من مطعم أغلق بابه في وجه الصهاينة، وكم من آخرَ طردهم، وكم من شحنة تم إيقافُها ومنعُ شحنها إلى الكيان، وكم من سفينة حرة أبحرت لكسر الحصار عن غزة الجريحة، وكم من مسيرات ومظاهرات حاشدة وصابرة لما تبارح الميادين في سبيل نصرة المظلومين في فلسطين.

لم يكن للأسف هناك أيُّ حضور عربي ولا إسلامي مشرف للدول والشعوب في هذا الحراك الحر الشريف في العالم، وغابت الدول العربية الحرة في ظلام التكتلات العربية، ورفضت حتى الآن الخروجَ عنها عمليا، رغبةً -في أحسن الظن- في الحفاظ التقليدي على الصفِّ العربي، الصفِّ الذي لم تحافظْ عليه دولُ ابن العلقمي العربية ذاتها في الشر، ففاوضت تحت الطاولة وفوقها، واتفقت وطبعت في قضية تخص الأمنَ العربيَّ وتمسّه في الصميم مع عدو الأمة ومحتل أرضها وطارد أهلها والعابث بمقدساتها، بعيدا عن باقي الدول وبعيدا عن تكتلات العرب المختلفة، ودون احترام لها ولا اعتبار.

إن هذا الالتزامَ المضرَّ بهذه التجمعات العربية (مجلس التعاون والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي) والتعويلَ عليها وعلى قممها وقراراتها من قبل الدول العربية الشريفة والحرة في مقام اللحظة، وبعد ما تحقق اختطافُها من قبل الفريق الصهيوني العربي الخادم للصهيونية العالمية يعد خيانةً للدور الإنساني والعقدي والتاريخي والجغرافي الواجبِ عليها عينًا في مواجهة إبادة غزة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، ويُعَدُّ بقاؤها في الظلِّ وعدمُ تحررها تحررَ الدول الغربية عن تكتلاتها، وعدمُ وجود أي عملٍ فردي وجمعي خارجَ تلكم التكتلات، يعدُّ مشاركةً صريحةً في الإبادة ذاتها، وتتحمل بها دماءً وأرواحا ومساجد وكنائس وبنيةً تحتية تُدمر، ويسوى بها الأرض.

إن فقهَ اللحظةِ يُحَتِّمُ على هذه الدولِ العربيةِ والإسلامية الحرةٍ والعزيزةِ -وهي الأقربُ- أن تغارَ على ذاتها وعلى واجبها، وتتجاوبَ مع عقديتها، وتتبعَ سبيل ربها في كتابه، فتنتصرَ للمظلومين والمقهورين في مقام الانتصار؛ ( وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡبَغۡيُ هُمۡ يَنتَصِرُونَ) الشورى/ ٣٩، وتذهبَ نهجَ دولٍ حرةٍ عالمية سبقتها، وهي غريبةُ لسانٍ ودينٍ وجغرافيا عن غزةَ وفلسطين ومقدسات المسلمين، كأسبانيا وجنوب أفريقيا وغيرهما من الدول، وتنعتقَ من سجن التكتلات الإقليمية المريضة، وتبحثَ عن تكتلات حرة عالمية جديدة تلتزم بها، وتتحركَ في إطارها حتى تحقيق العدالة.

من ثم على دولنا العربية هذه ومن باب البراءة إلى الله والتاريخ والإنسان فعلُ جهدها، وأن تُخَلِّيَ بين شعوبها وبين مشاعرهم ورغبتهم في التعبير عبر الوسائل المتاحة، من وقفات احتجاجية، ومسيراتٍ معبرة، ضد أمريكا خاصةً، وضد من يليها من دول ابن العلقمي العربية، في سبيل الضغط الفعلي الشعبي كما تفعل شعوب العالم.

أخيرا على الشعوب العربية واجبُ الحراك الفردي والجمعي بالوسائل المختلفة، التي قد توصل الرسالة للإدارة الأمريكية بصورة أدق وأقوى، فإن هذه الإدارةَ المنخرطةَ في إبادة غزة لن ترفع إبادتها ودعمها للجرائم بحق أهليكم هناك إلا بتحقق الضرر المباشر على مصالحها، والضررُ كما يتحقق عسكريا ودبلوماسيا واقتصاديا من قبل الدول والأنظمة المستقلة الحاكمة ذاتِ القرار والسلطة، فإنه يتحصل شعبيا بالمقاطعةِ والحراك السلمي القوي بأشكاله، وإن الضغطَ المباشر على أمريكا اليوم، وتحميلَها الإبادة قبل الكيان، هو مطلب ملحٌ، وواجبٌ شرعي وأخلاقي، لذلك فالتوجهُ للسفارات الأمريكية من قِبل الدولة والمؤسسات المدنية والشعوب، وإقامةُ دعوى ضد أمريكا أمام محكمة العدل الدولية واتهامُها رسميا بالإبادة، والمطالبةُ بإصدار مذكرةِ توقيف ضد رئيسها المختل من قبل مجموعة دول وتكتل قوي سيشكل ضغطا حقيقيا عليها، ويسارع في لجم جماحها، وتهشيم أنفها المتغطرس ولقيطها الكيان المجرم في فلسطين، فضلا عن وسائل ممكنة أخرى، مرتبطة بالإعلام، والرياضة، والثقافة وغيرها…

عبد الحميد بن حميد بن عبد الله الجامعي
الجمعة
٢٦ ربيع الاول ١٤٤٧ هـ
١٩ سبتمبر ٢٠٢٥ م

شاهد أيضاً

الخداع الأمريكي والصهيوني مكشوف، وإيران تقلب الطاولة على الأعداء وتبني مرحلة جديدة لصالح محور المقاومة

يكتبها: محمد علي الحريشي تبجح العدو الصهيوني وزادت نشوته في تحقيق حلمه ببناء دولته الكبرى، …