لمن لا يعرف جبل عامل وأهل جبل عامل:

محمد جابر آل صفا

“لم يكفهِم جَور التّرم واضطهادهم لهم حتى استعانوا عليهم بأهل الإقطاعات المجاورة من أنصارهم. فأصبحت بلادهم عرضة لغارات اللبنانيين من الشمال وبدو فلسطين (من الهنادي والهوارة) من الجنوب والشرق. واشتبكوا معهم في حروب دامية رخصت فيها النفوس واستهينت الأرواح. ولقد كان توالي تلك الحروب الطاحنة، وتألب الطوائف المجاورة على أبناء جبل عامل لاختلافهم عنهم عرقًا ومذهبًا، سببًا أوليًا لوقوفهم وقفة المُستميت دفاعًا عن أوطانهم، وحفظًا لكيانهم. وقد خلق منهم هذا الإرهاق الشديد، والضغط يولد الإنفجار، شعبًا حربيًّا باسلًا يهزأ بالمنايا ويرى الموت حياة خالدة تحت شفار السيوف.
وانصرف الشعب العاملي كله في ذاك العهد لممارسة فنون الحرب وإحكام خطّتَي الدفاع والهجوم وكانوا لا همّ لهم في فترات السّلم إلا شحذ السيوف، وتسديد المرمى، والكر على ظهور الخيل يعلمونها أولادهم منذ الصغر. لا يعبأون بذهب يُجمَع أو ذخرٍ يُرفَع أو قصر يُبنى، أو غرس يُجنى.
ولم يكن فخرهم إلا بعدو يُغلب، وثناء يُجلب، وذبائح تُنحَر، وحديث يُذكَر.
وكان الشعب العاملي مُدرّبًا على الطاعة التامة لزعماء البلاد، ومن أسرع الشعوب لحمل السلاح. ينفرون كبارًا وصغارًا في حالة الخطر للدفاع عن وطنهم، والانضواء تحت لواء القادة عند أول إشارة. وكانت قصائدهم وأهازيجهم وشعرهم الزجلي حماسية محضة تكاد تكون مقصورة على التباهي بالنّصر والظفر والحث على خوض المنايا والموت في سبيل الذود عن الوطن.
وزادهم عزّة ومنعة وهيبة في نفوس الطوائف المجاورة ظفرهم العظيم في المعارك التاريخية الثلاث: البحرة- النبطية- سهل الغازية. التي سيأتي الكلام عنها وعن أسبابها ونتائجها والتي رنّ صداها في الشرق الأوسط وذكرها مؤرّخو التّرك والإفرنج بإعجاب. وقد احرزوا من ذياع الصيت. وبعد الشهرة غاية ما بعدها غاية. ونحن نورد فيما يلي طائفة من الأخبار التي أثبتها المؤرخون الثُقاة من غير أبناء جبل عامل تؤيد ما وصلت إليه الطائفة الشيعية من الصَّولة وشدة البأس، وتشهد البطولة والبسالة في ذلك العهد”.

*محمد جابر آل صفا، “تاريخ جبل عامل”، دار النهار، (الطبعة الثالثة)، ١٩٩٨، ص ٨١-٨٢-٨٣-٨٤.*

شاهد أيضاً

الخداع الأمريكي والصهيوني مكشوف، وإيران تقلب الطاولة على الأعداء وتبني مرحلة جديدة لصالح محور المقاومة

يكتبها: محمد علي الحريشي تبجح العدو الصهيوني وزادت نشوته في تحقيق حلمه ببناء دولته الكبرى، …