الخداع الأمريكي والصهيوني مكشوف، وإيران تقلب الطاولة على الأعداء وتبني مرحلة جديدة لصالح محور المقاومة

يكتبها: محمد علي الحريشي

تبجح العدو الصهيوني وزادت نشوته في تحقيق حلمه ببناء دولته الكبرى، عندما بنيت حسابته على تدمير جمهورية إيران الإسلامية والقضاء عليها، من بعد العدوان الأمريكي والصهيوني في نهاية شهر فبراير/شباط الماضي، الذي إستمر زهاء أربعون يوما، ونتج عنه إستشهاد عدد كبير من قيادات الصف الأول والثاني في الدولة الإيرانية، وعلى رأسهم قائد الثورة السيد علي الخامنئي رضوان الله عليه، زادت التوقعات الصهيونية بخلق المزيد من الضعف للمواقف السياسية والعسكرية الإيرانية، وعدم إلتفاتها إلى مايحدث في المنطقة من أحداث عسكرية وتداعيات، مثل العدوان الصهيوني على المقاومة الإسلامية في لبنان، مبعث تلك التوقعات،هو: الدمار الكبير الذي أحدثه القصف الهمجي، على المنشاءات العسكرية والإقتصادية الإيرانية، الحصار الإقتصادي البحري الأمريكي الذي أعقب العدوان ، ومانتج عنه من أضرار معيشية على الشعب الإيراني، وكذا إنشغال القيادة الإيرانية بعملية المفاوضات المكوكية غير المباشرة مع الجانب الأمريكي، ومارافقها من تهديدات ومناوشات عسكرية ومؤامرات، كل تلك العوامل وغيرها، ولدت في العقلية الإجرامية الصهيونية، الرغبة في معاقبة حزب الله، بسبب دخوله في الحرب ضد العدو الصهيوني بعد العدوان على إيران، وردعه والتسريع بتدمير بنيته العسكرية، وتهجير حاضنته الشعبية من جنوب لبنان، وتدمير الضاحية الجنوبية لبيروت بنفس المنهجية الإجرامية الصهيونية، من الدمار الذي حدث في مدن ومخيمات قطاع غزة.
تدرك إيران وتدرك كل قوى محور المقاومة، أن الجزىء الأكبر من مشروع المفاوضات الأمريكية الإيرانية عبر الوسيط الباكستاني، هو خداع ومناورات لكسب الوقت، ولتحقيق التقدم في ملفات أخرى، مثل ملف القضاء على حزب الله في لبنان، هذا ماعملت عليه إدارة الرئيس الأمريكي «ترامب»، بفتح عملية تفاوض في وشنطن، بين الحكومة اللبنانية وبين العدو الصهيوني، لم، تكن المفاوضات من أجل وضع حدود ونهاية للإجرام الصهيوني الهمجي على الشعب اللبناني، بقدر ما ماكانت الأهداف: فصل المسار اللبناني عن عملية التفاوض الأمريكي الإيراني، وفق شروط توقف العدوان على إيران، وخلق خلافات وتباينات داخل الوسط السياسي والطائفي اللبناني، وشرعنة العدوان الصهيوني على لبنان ، في الوقت الذي كانت عملية المفاوضات المخادعة تجري في واشنطن، بين العدو الصهيوني وبين ممثلي الطرف اللبناني، كانت آلة الحرب الصهيونية تفتك بالقرى والمدن اللبنانية الجنوبية كمرحلة اولى، يتبعها تدمير وخراب الضاحية الجنوبية لبيروت كمرحلة ثانية.
كانت المؤامرات الأمريكية والصهيونية تمضي في مسارها، والعقل العسكري والسياسي الإيراني يراقب سيناريوهاتها بصمت، لم تكن تلك السيناريوهات ضد حزب الله غير مرحلة أولى، لقصقصة أجنحة أذرع قوى محور المقاومة- وفق التسمية الأمريكية والصهيونية-، والإنفراد بها واحدة تلوى الأخرى، حتى الوصول إلى مواجهة إيران.
عملية المفاوضات الأمريكية الإيرانية غير المباشرة عبر الوساطة الباكستانية، هي عملية خداع وتكتيكات مرحلية، فرضتها الضرورات والنتائج الإقتصادية الدولية المترتبة على إمساك القوات المسلحة الإيرانية بمضيق هرمز، وفرضتها إعتبارات سياسية داخلية أمريكية، ناتجة عن الفشل العسكري والسياسي، في تحقيق أهداف العدوان على ايران، من يلاحظ ويقرأ تصريحات وتغريدات الرئيس الأمريكي ترامب، خلال مراحل المفاوضات مع إيران، أنه كان يتعمد الإيحاء بالتفاعل الإيجابي، وإعطاء مؤشرات توحي بتحقيق تقدم في المفاوضات، وتقارب في وجهة النظر مع إيران في المواضيع الخلافية،تلك التصريحات والتغريدات كان الهدف منها، كبح جماح الإرتفاع المتزايد في أسعار الطاقة، الناتج عن سيطرة إيران على مضيق هرمز، بمعنى أن حسابات الرئيس الأمريكي في المفاوضات، لم تكن من أجل التوصل إلى مشروع سلام مع إيران، بقدر ماكان همه كبح جماح الإرتفاع في أسعار الطاقة،وتهدأة روع أرباب الشركات الراس مالية الإحتكارية، وخداع الجمهور الأمريكي الذين ضاقوا ذرعاً بموجة الغلاء، التي سببت لهم خسائر باهضة، وكذا المحافظة على شعبية حزبه الجمهوري داخل الساحة الأمريكية، من أية هزات تفقده الأغلبية التي يتمتع في الكونجرس الأمريكي، خاصة مع قرب إجراء الإنتخابات لنصف مقاعد مجلس النواب الأمريكي، التي سوف تجرى في شهر نوفمبر/تشرين ثاني القادم.
من يظن أو يتخيل أن وحدة الموقف الأمريكي والصهيوني، في مواجة قوى محورالمقاومة سوف يشوبه الفتور، أو يطرأ عليه تباينات أو خلافات صغيرة، فهو واهم ولايقرأ جيداً بتعمق السياسة والجغرافيا والتاريخ، والوحدة والإندماج في المواقف السياسية والعسكرية والمصيرية، بين الكيانين الأمريكي والصهيوني، فلا تخدعنا التناولات الإعلامية، في أن الرئيس الأمريكي، غير مسرور بقصف الجيش الصهيوني للضاحية الجنوبية لبيروت، أو أنه يجرى مكالمات ساخنة مع رئيس الوزراء الصهيوني المجرم «ناتنياهو»، كل تلك النتاولات وغيرها هي خداع وكذب وتمويه متعمد، تهيء له وسائل الإعلام الموجهة وتبثه، لخداع. الشعوب العربية والاسلامية، لأن كل مايقوم به جيش العدو الصهيوني من عمليات إجرامية في غزة وفي لبنان، هو بتخطيط وتوجيه وتسليح وتعاون لوجستي ومخابراتي وعملياتي أمريكي، كل ذلك لتحقيق الأهداف العامة والكبرى الأمريكية والصهيونية، في بناء الشرق الأوسط الجديد وقيام دولة إسرائيل الكبرى.
القيادة الإيرانية تدرك تلك الحقائق والمسلمات وتراقبها، وتتعامل معها بما أو أتيت من قوة، ومن تجارب عديدة ومريرة مع العدو الأمريكي والصهيوني، وتصريحات كبار المسؤولين الإيرانين، تؤكد عدم الثقة بالجانب الأمريكي في عملية المفاوضات.
القيادة الإيرانية تدرك أن الامريكي يلعب على عامل الوقت، فتعاملت معه بكل برودة أعصاب و بعامل الوقت، وبما يجعل الأمريكي يثق في خطواته وحساباته، لكن كلما قطع الأمريكي مسافة معينة، ومرحلة من مراحل عملية كسبه للوقت، فإنه كان يفاجأ بخطوات إيرانية غير متوقعة، مثل عمليات المناوشات العسكرية الأمريكية، في عدد من الجزر الإيرانية بالقرب من مضيق هرمز، والرد الإيراني العسكري القوي،حتى فجرت القيادة الإيرانية أمام الجميع، مفاجئة من العيار الثقيل،التي لم يتوقعها الأمريكي والصهيوني، وهي عملية القصف الصاروخي الإيراني السريع على كيان العدو الصهيوني، بعدما بدأ جيش العدو المحتل بتنفيذ أولى خطوات المرحلة الثانية من العدوان على لبنان، أي في البدىء بتدمير الضاحية الجنوبية لبيروت، وخلق واقع سياسي جديد داخل لبنان، شبيهاً بماحدث في سوريا، بعد الإطاحة الأمريكية والصهيونية والخليجية والتركية بالنظام السابق في سوريا.
لم يكن القصف الصاروخي الإيراني على كيان العدو المحتل، عملية عسكرية عادية ورمزية كرد على القصف الصهيوني للضاحية الجنوبية، بقدر ما كانت العملية العسكرية الإيرانية، مرحلة مفصلية برمزيتها العسكرية ودلالاتها السياسية العميقة والواسعة، التي لاشك أن نتائجها سوف تغير موازين القوى العسكرية والسياسية في المنطقة، لصالح إيران ولصالح قوى محور المقاومة، ليس الكيان الصهيوني وحده المتضرر من العملية العسكرية الإيرانية، بل الضرر ينعكس بشكل قوي على الأمريكي، وعلى عدد من الأنظمة الخليجية الوظيفة، التي هي الأخرى تراهن مع الأمريكي لكسب الوقت، والتخلص من الهاجس الذي يهز مضاجعهم أي بوجود الدولة الإيرانية ونظامها الثوري الإسلامي، ووجود قوى محور المقاومة، اللاتي كلما أعتدوا عليها ودمروها، تنهض من جديد ومن تحت الأنقاض والركام، وتعود بحلة جديدة وقوة أعظم مثلما حدث مع حزب الله.
الضربات الصاروخية الإيرانية على كيان العدو الصهيوني مساء السبت الماضي، هي النقطة التي كشفت الوهم والخيال الأمريكي والصهيوني، لكسب الوقت أمام إيران، وهي نقطة أضافت مكسباً للمعادلات الجديدة التي ثبتتها القيادة والجيش والشعب الإيراني، ومنها الإمساك بورقة مضيق هرمز، والتلاعب العكسي بورقة الوقت في المفاوضات غير المباشرة مع الجانب الأمريكي، وكسب التعاطف الشعبي والنخبوي العالمي.
لقد كتبت القيادة الإيرانية بدماء شهدائها الأبرار،-وفي مقدمتهم دماء شهيد الغدر، الإمام علي الخامنئي رضوان الله عليه-، مرحلة تاريخية سياسية إقليمية ودولية جديدة، عنوانها الأبرز وحدة الساحات لقوى محور المقاومة والجهاد، مرحلة جديدة تشل فيها يد الغطرسة الأمريكية والصهيوني في المنطقة،سوف يكون لهذه المرحلة تداعيات سياسية سلبية كبيرة على الأمريكي والصهيوني، وعلى كل من تآمر على فلسطين وإيران وقوى محور المقاومة، من حروب ومؤامرات وحصار، خلال العقود الماضية، أي منذ إنبلاج أشعة فجر الثورة الإسلامية في إيران، على يد الإمام الخميني الموسوي قدس الله سره، سوف تدفع أيادي الإثم والإجرام الأمريكية والصهيوني والأنظمة الخليجية الوظيفة العميلة الثمن غالياً، في كل دماء الأبرياء التي أريقت في فلسطين ولبنان وسوريا واليمن وإيران والعراق وغيرهن من البلدان،من أجل ديمومة الهيمنة الأمريكية وتثبيت وتوسيع الوجود اليهودي الصهيوني في المنطقة.
أما إيران فقد غيرت وجه المنطقة والعالم، وسوف ترون النتائج الباهرة والعظيمة لذلك التغيير لصالح قوى محور المقاومة في الفترات القادمة.

شاهد أيضاً

“أعمدة الهوان الكولونيالي وعروش الرماد: ماذا لو استيقظ مارد الولاية والجهاد؟

🖋️ رضوان حسين وعيل حين يرتدُّ البصرُ خاسئاً وهو حسيرٌ أمام مشاهد الدمار والاستباحة التي …