بقلم: د. محمد هزيمة
يذكر المؤرخون تاريخ الشيعة في لبنان وثوراتهم، وفي حادثة وثقها المؤرخ الدكتور سعدون حمادة “أن أكثر من مئة ألف جندي عثماني، وصلت قوتهم إلى حصار “فيينا” وعلى رأسهم تباعًا سبعة “صدور عظام” (من كلمة الصدر الأعظم) جميعهم قاتلوا شيعة جبل عامل، الذين كانوا لا يملكون السلاح الكبير، وبيوتهم “ظهر خيولهم”…… فصمدوا وقاتلوا حتى أُطلق على منطقتهم اسم “جمهورية العصاة الحرة” أي التي لم تخضع ولم تستسلم لأي سلطة.
وفي هذه المقاومة استشهد ثلاث قادة كبار للشيعة ضد واحد من أكبر جيوش العالم في حينه.
ويذكر كتاب “صفحات من تاريخ جبل عامل” حملات الاحتلال الفرنسي (حملات الكولونيل “نياجر” والقومندان “شاربنتيه” برفقة مسيحيي المنطقة) وتوصف لحملات عنيفة جدًا على قرى جبل عامل، وتبعه اجتماع لتوقيع استسلامهم، وفي النص الحرفي: “..ترأس الاجتماع الكولونيل نياجر، والقومندان شاربنتيه، ورشيد بك جنبلاط متصرف لواء صيدا، وفؤاد العازوري قائمقامها.. وأعد الكولونيل قائمة مطالب بعد اتهامه للشيعة بالعصيان والتمرد وخيّر المجتمعين، بين إحدى حالتين لا ثالث لهما، -إما توقيع الوثيقة -وإما الابتعاد حيث تنتظرهم الدارعة (السفن يعني للترحيل) في عرض البحر.
وتلخصت مطالب الوثيقة: -جمع الأسلحة -دفع دية قتلى المسيحيين -إرجاع المنهوبات -التعهد بحفظ الأمن -دفع مئة ألف ليرة عثمانية ذهبية غرامة -دفع الحصة العشرية وبقايا الأموال الأميرية -التعهد في حصاد مواسم مسيحيي عينيبل ورميش وقوزح وغيرها -التصديق على ما أصدرته السلطة العسكرية من أحكامها من إعدام وإبعاد ومصادرات على رؤساء الثوار وبعض العلماء والوجاهات..
وكان الموقف عظم التوقيع ولم تنفذ الوثيقة.
وكم تشبه ورقة اليوم الأمريكية، وكما فشلت حينها تحت مقاومة الثوار وبقي الوضع على ما هو عليه حتى تم استبدال المندوب الفرنسي وكانت فرنسا خارجة منتصرة من حرب عالمية!!
فاستبدل المندوب الذي فاوض الشيعة وكانوا لا يملكون آنذاك لا صواريخ دقيقة ولا سلاح كبير ونوعي ولا دولة وعمق استراتيجي!
فلا بد هنا من استحضار التاريخ والاستبشار بالمستقبل، بأن الشيعة المستهدفون اليوم هم جماعة قاوموا من كان أشد سطوة ورهبة من إسرائيل وصمدوا وحصلوا على حقوقهم، وحافظوا على كيانهم رغم كل الصعوبات والمآسي.
وهذا لو مر على غيرهم، لاضمحلوا وانتهوا…… وهذا جزء من تركيبتهم، لم يضرهم لا المتخاذل ولا المرعوب والموهن، وحتى في الثمانينات حينما كان العدو الإسرائيلي والمتعدد الجنسيات في بيروت، حاربوا قاتلوا واستشرسوا للدفاع عن أنفسهم بوجه الكل والكل حرفيًا.
فمع كل هذا التراث الضارب في عمق التاريخ، يجب أن ندرك أن من لم يستعصى عليه العثماني والفرنسي والإسرائيلي، حتمًا لن يُكسر أو يهون ويضعف أمام حثالة رعاع مرتزقة تحركهم سفارات…..
فليهاجر الجبان ويستبشر الواثق، هكذا كنا وهكذا سنبقى ومن عادانا إلى زوال…
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
