تغييرُ وجهةِ الصراع… أخطرُ مشاريعِ المرحلة

بقلم: الشيخ حسن حماده العاملي

يُعلِّمنا تاريخُ الصراعات أن القوى الكبرى لا تبحث دائمًا عن الانتصار في ميادين القتال، وإنما تسعى، قبل ذلك، إلى إعادة تشكيل وعي الشعوب، وتغيير اتجاه الصراع، حتى يفقد الخصم القدرة على تمييز عدوه الحقيقي. وعندما تنجح في ذلك، تصبح الحروب أقل كلفة، وتتحول الشعوب نفسها إلى أدواتٍ في تنفيذ ما عجزت الجيوش عن فرضه.

ومن يراقب المشهد الإقليمي يلحظ أن التحركات الأميركية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، والمتناغمة مع سياسات حكومة العدو الإسرائيلي، تتجاوز حدود الضغوط السياسية أو العسكرية المباشرة، لتلامس محاولة إعادة هندسة المنطقة وفق معادلات جديدة. ويأتي السعي إلى إقحام سوريا في الشأن اللبناني ضمن هذا السياق، بما يحمله من تداعيات تتجاوز حدود البلدين، وتمتد إلى النسيج الإسلامي بأسره.

إن هذا المسار، إذا كُتب له أن يتوسع، يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، ويهيئ المناخ لتوتراتٍ مذهبية وسياسية يعرف الجميع كيف تبدأ، بينما تبقى نهاياتها رهنًا بالفوضى والدمار. فالتداخل التاريخي والجغرافي والاجتماعي بين لبنان وسوريا يجعل أي اشتباك سياسي أو أمني قابلًا للتحول إلى احتقان مذهبي واسع، وهو ما يمنح أعداء الأمة فرصةً ثمينة لإعادة رسم أولويات الصراع.

عندئذٍ تتراجع القضية الفلسطينية عن مركز الاهتمام، ويبهت الحديث عن الاحتلال وجرائمه، وتُستنزف طاقات المسلمين في مواجهات داخلية، ويتحول الغضب الذي كان ينبغي أن يتجه نحو المحتل إلى غضبٍ متبادل بين أبناء الأمة الواحدة. وهنا تتحقق الغاية الأخطر؛ إذ تنتقل المواجهة من صراع مع الاحتلال إلى صراع داخل البيت الإسلامي، فيغدو المسلم خصمًا لأخيه المسلم، بينما يراقب العدو المشهد وقد حصد أعظم مكاسبه بأقل الأثمان.

وليس من قبيل المصادفة أن تكون الفتنة المذهبية، عبر التاريخ، المدخل الذي عبرت منه القوى الاستعمارية إلى كثير من البلدان الإسلامية. فحين تتصدع الجبهة الداخلية، يصبح كل مشروع خارجي أكثر قدرة على التغلغل، وتتراجع مناعة الأمة أمام الضغوط والابتزاز والتدخلات.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أمةً ما ليس ضعفها العسكري، وإنما اضطراب وعيها، واختلال بوصلة أولوياتها. فالأمة التي تنشغل بخلافاتها حتى تنسى عدوها، تمنح خصومها فرصة لا يمكن أن توفرها لهم ساحات القتال.

إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق العلماء والمثقفين والإعلاميين وكل أصحاب الكلمة الحرة، في ترسيخ ثقافة الوعي، وإغلاق منافذ الفتنة، ومنع تحويل الاختلافات السياسية أو المذهبية إلى صدامات وجودية. فحماية السلم الأهلي ليست موقفًا عابرًا، وإنما ضرورة حضارية واستراتيجية تحفظ للأمة وحدتها، وتصون مستقبلها، وتحول دون نجاح أخطر مشاريع هذه المرحلة ألا وهو تغيير وجهة الصراع، ونقل المعركة من مواجهة الاحتلال إلى استنزاف المسلمين بعضهم ببعض.

شاهد أيضاً

في اليمن غير وارد: الرسالة النارية والتحذير الأخير وتدشين مرحلة مفصلية قادمة.

طوفان الجنيد – كاتب وناشط سياسي يمني في خطابٍ متلفز، أطلّ علينا اليوم سماحة السيد …