طوفان الجنيد – كاتب وناشط سياسي يمني
في خطابٍ متلفز، أطلّ علينا اليوم سماحة السيد القائد الحجة العَلَم، سيدي ومولاي عبدالملك بدرالدين الحوثي، حفظه الله ورعاه، والذي وضع فيه النقاط على الحروف، وأرسل رسائل يمنية حاسمة، وتحذيراً أخيراً لتحالف العدوان السعودي–الأمريكي–الصهيوني–البريطاني وأدواته، مفادها أن اليمن اليوم ليس كيمن الأمس، وأن الشعب اليمني قد ضاق ذرعاً بالتنكيل المستمر والحصار الخانق المطبق من قبل العدو السعودي وداعميه الأمريكي والصهيوني، وبالتعنت والمماطلة في إنهاء الحصار وإحلال السلام.
لقد مثّل خطاب قائد الثورة اليمنية، السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي، حفظه الله، نقطة تحول جذرية ونقلة نوعية من استراتيجية “الدفاع والمقاومة” إلى استراتيجية “الردع الهجومي بالمثل”، ووضع حداً فاصلاً بين مرحلة الصبر الاستراتيجي ومرحلة المبادرة وفرض المعادلات، راسماً ملامح مرحلة جديدة وحاسمة.
أولاً: ماذا يعني تكرار عبارة “في اليمن غير وارد”؟
رغم أن هذه المعادلة سبق أن أطلقها السيد القائد في بداية العدوان عام 2015، فإن تكرارها اليوم يحمل دلالات عميقة؛ فهي تعني أن التراجع أو المساومة أو الرضوخ للضغوط العسكرية والاقتصادية أصبح أمراً غير وارد في القاموس السياسي والعسكري اليمني.
كما أن تكرار هذه العبارة يمثل إغلاقاً كاملاً لأي نوافذ تفاوضية تسعى إلى فرض تنازلات في الملفات السيادية أو الإنسانية، وهي لغة تحمل رسالة حاسمة بسقوط الدبلوماسية الرمادية، والانتقال إلى مرحلة الوضوح والخيارات المفتوحة.
ثانياً: دعوته للشعب إلى الخروج المليوني المشرف
في ختام خطابه، وجّه السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي دعوة صادقة ومخلصة إلى الشعب اليمني الأبي بكل فئاته، للخروج المليوني المشرف وغير المسبوق إلى كافة الساحات والميادين.
وهذه الدعوة لم تكن إجراءً روتينياً، بل حملت دلالات استراتيجية بالغة الأهمية، أبرزها:
1- الاستفتاء الشعبي على خيارات المواجهة:
اعتبر القائد أن خروج الشعب اليمني إلى الساحات هو الرد اليمني الأقوى والعملي على تهديدات الأعداء ومحاولات الضغط الاقتصادي، وأن هذا الحضور الشعبي يمثل تفويضاً متجدداً للقيادة لاتخاذ ما تراه مناسباً من خطوات رادعة.
2- رسالة جهوزية إلى العالم:
يدرك السيد القائد أن لغة الملايين في الميادين هي اللغة التي تفهمها عواصم الاستكبار؛ فالحشود الشعبية تثبت للعدو والصديق على حد سواء أن الشعب اليمني متماسك وملتحم مع قيادته، ومستعد لخوض غمار المرحلة المفصلية القادمة، متحملاً التبعات ومقدماً التضحيات في سبيل كرامته وحريته وثباته على موقفه.
كما أنها برهنت لكل الأعداء أن الجبهة الداخلية اليمنية صلبة كالصخر، وأن الرهان على إحداث فجوة بين القيادة والشعب عبر بوابة التجويع أو الحصار هو رهان خاسر سيتحطم أمام إرادة الملايين المحتشدة في الساحات.
ثالثاً: تفكيك معادلة الردع المتبادل (الكل بالكل)
أبرز ما جاء في الخطاب هو صياغة معادلة تفاوضية وعسكرية جديدة قائمة على الندية والتناظر في الخسائر.
فلم يعد التحذير مقتصراً على الرد العسكري التقليدي، بل امتد ليربط الأمن المعيشي للشعب اليمني بالأمن الاقتصادي والإقليمي لدول التحالف.
إن محاولة استخدام الورقة الاقتصادية أو خنق الشعب اليمني معيشياً ستعني نقل المعركة إلى مستوى آخر تماماً، بحيث تصبح المعادلة:
المطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ، والبنوك بالبنوك.
وهو تحذير واضح للعدو السعودي بأن استمرار الحصار على مطار صنعاء الدولي قد يقابله تعطيل لحركة المطارات السعودية، وأن استهداف الاقتصاد اليمني سيقابل باستهداف المصالح الاقتصادية للطرف الآخر.
أما معادلة الموانئ بالموانئ فتعني مواجهة الحصار البحري عبر تهديد المنافذ والموانئ الاستراتيجية المرتبطة بمصالح العدو.
رابعاً: الرسائل النارية للأطراف الإقليمية والدولية
حمل الخطاب تحذيراً أخيراً لا لبس فيه، موجهاً رسائل دقيقة إلى مختلف الأطراف الفاعلة:
إلى السعودية (الطرف الإقليمي):
جاء الخطاب بلغة ناصحة وحازمة في آن واحد، موضحاً أن الارتهان للضغط الأمريكي لن يحمي الرياض من تداعيات استمرار التصعيد، وأن كلفة السير خلف الإملاءات الخارجية على حساب حقوق الشعب اليمني ستكون باهظة أمنياً واقتصادياً.
إلى الولايات المتحدة (الطرف الدولي الداعم):
برزت في الخطاب لغة تحدٍ واضحة تؤكد أن اليمن تجاوز مرحلة الخوف من التهديدات العسكرية، وأن محاولات الضغط والغارات لم تُضعف الإرادة اليمنية، بل ساهمت في تعزيز القدرات وتطوير أدوات الردع.
إلى الشعب الفلسطيني ومحور المقاومة:
أكد الخطاب الثبات على الموقف المبدئي تجاه القضية الفلسطينية، وأن دعم غزة وفلسطين يمثل التزاماً استراتيجياً وأخلاقياً غير قابل للمساومة أو التراجع مهما بلغت التضحيات.
خامساً: تدشين المرحلة المفصلية القادمة والمسارات المتوقعة
لم يكن الخطاب مجرد توصيف للواقع، بل حمل إعلاناً عن مرحلة جديدة تتضمن مسارات استراتيجية حاسمة:
المسار الاقتصادي التحذيري:
التلويح باستخدام أدوات ضغط مقابلة تجاه الإجراءات الاقتصادية والمالية التي تستهدف الشعب اليمني.
المسار العسكري الإقليمي:
إمكانية توسيع دائرة الردع لتشمل المصالح الحيوية في العمق الإقليمي، بما يفرض معادلة جديدة عنوانها: الأمن المتبادل أو تحمل تبعات التصعيد.
المسار البحري الدولي:
استمرار تطوير أدوات الضغط في البحر، وتوسيع دائرة التأثير على المصالح المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي، بما يرفع كلفة استمرار العدوان على غزة.
التكامل بين جبهات محور المقاومة:
تأكيد أن اليمن أصبح عنصراً أساسياً في معادلة الصراع الإقليمي، وأن حضوره تجاوز حدود الجغرافيا اليمنية إلى التأثير في موازين القوى الكبرى.
خاتمة
إن خطاب السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي لم يكن خطاباً إنشائياً أو مناورة سياسية، بل كان رسالة سياسية وعسكرية واضحة، مسنودة بزخم شعبي واسع.
لقد نقلت عبارة “في اليمن غير وارد”، وما رافقها من دعوة للخروج المليوني المشرف، المشهد من مربع الاستجابة للضغوط إلى مربع المبادرة وصناعة الحدث وفرض المعادلات.
وقد تحمل المرحلة القادمة تطورات كبيرة على المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية، بما يعيد رسم موازين القوى في المنطقة، ليبقى الخيار أمام القوى الإقليمية والدولية هو إنهاء العدوان والحصار، والذهاب نحو سلام عادل يحفظ حقوق الشعوب، وإلا فإن إرادة الملايين في الساحات ستظل قادرة على تغيير مسار الأحداث وصناعة مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
