بقلم: محمد بن علي بن ضعين البادي
عندما اهتزت الأرض تحت أقدام صُنّاع القرار في طهران، اتجهت أنظار العالم بأسره نحو العاصمة الإيرانية، لا بحثاً فقط عن اسم المرشد القادم أو من سيقف على منبر الخطابة، بل بحثاً عن السؤال الأكثر أهمية: من يملك القوة الفعلية القادرة على حسم الأمور عندما تصل البلاد إلى لحظات الاختبار الكبرى؟
ومع انتقال القيادة إلى المرشد الجديد، دخلت إيران مرحلة مختلفة تحمل معها الكثير من التساؤلات حول طبيعة موازين القوى داخل النظام، فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بمن يجلس على كرسي المرشد، بل بمن يمتلك القدرة الحقيقية على التأثير والتحرك واتخاذ القرار في اللحظات المصيرية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل بقيت الكلمة الأولى والأخيرة بيد المؤسسة الدينية والسياسية التقليدية، أم أن الحرس الثوري، بما يملكه من قوة عسكرية وأمنية واقتصادية، أصبح يمثل مركز الثقل الأبرز في صناعة القرار الإيراني؟
ولفهم المشهد الإيراني لا بد من العودة إلى نقطة البداية، وتحديداً عام 1979، عندما تأسس الحرس الثوري الإيراني عقب الثورة الإيرانية، حيث بدأ كقوة محدودة من المتطوعين هدفها حماية النظام الجديد ومواجهة التحديات التي أحاطت به في بداياته.
لكن السنوات اللاحقة، وخصوصاً الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، شكلت نقطة تحول كبرى في مسيرة هذا الكيان؛ فقد خرج الحرس الثوري من تلك الحرب أكثر تنظيماً وخبرة، ولم يعد مجرد قوة عسكرية لحماية المؤسسات، بل تحول تدريجياً إلى مؤسسة واسعة النفوذ تمتد أذرعها إلى الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وأصبح لاعباً رئيسياً في رسم الكثير من توجهات الدولة داخلياً وخارجياً.
ومع مرور العقود، لم يعد نفوذ الحرس الثوري قائماً على القوة العسكرية وحدها، بل امتد إلى مجالات اقتصادية ومؤسساتية واسعة، فأصبح مرتبطاً بشبكة من الشركات والمشاريع والقطاعات الحيوية، وهو ما منحه قدرة أكبر على التأثير وصنع القرار. فالقوة في عالم السياسة لا تأتي فقط من امتلاك السلاح، بل أيضاً من امتلاك أدوات الاقتصاد والنفوذ والقدرة على بناء شبكات المصالح داخل الدولة.
ومع ذلك، فإن فهم طبيعة النظام الإيراني يتطلب إدراك أنه لا يقوم على مؤسسة واحدة، بل على شبكة معقدة من مراكز القوة؛ فهناك رجال الدين الذين يمتلكون الشرعية الدينية، والحكومة والبرلمان اللذان يديران شؤون الدولة اليومية، وهناك الحرس الثوري الذي يمثل القوة الصلبة بما يملكه من قدرات عسكرية وأمنية واقتصادية.
لكن التاريخ يثبت أن الأزمات الكبرى تغيّر قواعد اللعبة؛ فعندما تواجه الدول تهديدات خارجية أو اضطرابات داخلية، فإن المؤسسات القادرة على التحرك السريع وفرض الأمن تصبح صاحبة التأثير الأكبر. وهنا يظهر الدور المحوري للحرس الثوري باعتباره الجهة التي تمتلك أدوات القوة الميدانية والقدرة على إدارة الملفات الأمنية الحساسة.
وقد أثبتت التجارب التي مرت بها إيران خلال العقود الماضية أن الحرس الثوري لا يتعامل مع دوره باعتباره دوراً عسكرياً تقليدياً فقط، بل يرى نفسه جزءاً من منظومة حماية الثورة والنظام. وهذا ما جعله حاضراً بقوة في اللحظات المفصلية التي شهدتها البلاد، سواء على المستوى الداخلي أو في الملفات الإقليمية، الأمر الذي جعله أحد أكثر المؤسسات تأثيراً في رسم اتجاهات السياسة الإيرانية.
وفي خضم هذه التحولات، يبرز سؤال يتردد في الأوساط السياسية: هل منح انتقال القيادة الحرس الثوري مساحة أكبر للتحرك وإدارة المرحلة الجديدة، أم أن العلاقة بين المرشد والمؤسسة العسكرية ستبقى قائمة على التوازن والشراكة؟
لا يمكن الجزم بأن هناك تفويضاً مطلقاً لأي جهة داخل النظام، لكن طبيعة الدور التاريخي للحرس الثوري تجعل وجوده في قلب معادلة القرار أمراً لا يمكن تجاهله؛ فهو لطالما قدم نفسه باعتباره حامي النظام وصمام الأمان في مواجهة المخاطر الداخلية والخارجية.
ومع وجود المرشد الجديد، تدخل العلاقة بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري مرحلة أكثر حساسية، حيث ستكشف السنوات القادمة مدى قدرة القيادة الجديدة على إدارة التوازن بين مختلف مراكز القوة داخل الدولة، ومدى استمرار الحرس الثوري في توسيع نفوذه أو بقائه ضمن الإطار الذي رسمه النظام منذ تأسيسه.
فالحرس الثوري بالنسبة للكثير من دوائر السلطة الإيرانية ليس مجرد جهاز عسكري، بل يمثل أحد أعمدة بقاء النظام، وشريكاً أساسياً في حماية الدولة من التحديات التي تواجهها. ومن هنا فإن المرحلة القادمة قد تشهد مزيداً من التركيز على دوره في الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية.
وهكذا تدخل إيران مرحلة جديدة مليئة بالتحديات وإعادة ترتيب الأوراق. فالحرس الثوري، رغم القوة الكبيرة التي يمتلكها، لا يستطيع بمفرده إدارة دولة بحجم وتعقيد إيران؛ فهو يحتاج إلى الغطاء الديني والسياسي الذي يمنح قراراته الشرعية، كما تحتاج المؤسسات المدنية إلى القوة الأمنية التي تحمي استقرار الدولة.
وفي النهاية، فإن مستقبل إيران لن تحدده المؤسسات الرسمية وحدها، بل سيحدده التوازن الدقيق بين شرعية رجال الدين، وقوة الحرس الثوري، وقدرة مراكز القوة الأخرى على التأثير وصناعة القرار.
ويبقى السؤال الذي سيظل مفتوحاً أمام المتابعين:
في عهد المرشد الجديد… هل أصبح الحرس الثوري صاحب الكلمة الأقوى في إيران، أم أن النظام سيحافظ على معادلة التوازن بين جميع مراكز القوة؟
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
