الأشقاء معلوف يقدمون للبنان مشاريع عالمية: “ريو سيتي” مدينة قيادة عالمية

الإعلامي الدكتور عبد الله ذبيان

مدينة صغيرة، بأحلام كبيرة.. هكذا يمكن وصف “ريو سيتي” في منطقة “نهر الكلب” من النظرة الأولى. فهي فكرة لبنانية عالمية استثنائية لا تشبه غيرها، تنتمي إلى عالم الطفولة من حيث الشكل، لكنها تتجاوز اللعب إلى صناعة وعيٍّ جديد، تُعيد تعريف العلاقة بين الطفل والطريق، بين قيادة الكبار والسلوك، بين النظام والحرية.
منذ أن أبصرت النور عام 2010، لم تكن “ريو سيتي” تجربةً عابرة. كانت، منذ البداية، مشروعاً فيه من الحُلم بقدر ما فيه من التخطيط. مدينة كاملة بملامح مصغّرة، تتّسع لبسمة، وتُعيد إلينا المعنى الذي خسرناه: أنّ التربية لا تبدأ بالكلمة، بل بالتجربة.

.
الرجل لا يكّن عن الإبداع.. الأفكار تومض في عقله الباطني، فيأتينا بابتكار جديد على إنه المهندس اللبناني العالمي بيار معلوف، الشاب الأوسط لـ 6 أشقاء من بلدة كفر قطرة – الشوف، قدّموا للبنان ولدنيا الاغتراب في الولايات المتحدة العديد من الأفكار الحيوية والمشاريع الجديدة الرائدة.

إبداعات لبنانية عالمية

وبينما أسس الأشقاء جورج وميشال وبيار مدينة “ريو لنتو” المائية الأولى من نوعها في لبنان منذ 27 عاماً، جاء إطلاق أول ” متحف المشاهير” في ذوق مصبح – جعتا، وهو متحف عالمي من “السيليكون” يضم شخصيات معاصرة متحركة وناطقة، ليشكّل حلقة إبداع ضاهت متحفي “تيسو” و”غرافان” العالميين، أعقبه تأسيس وإطلاق مدينة “ريو سيتي” .
“وزير داخلية” مدينة “ريو سيتي”!

يضجّ “وزير داخلية” مدينة “ريو سيتي” بيار معلوف، كما يحلو لنا تسميته، بالأفكار الخلّاقة، على الرغم من الوضع الصعب في لبنان، ولسان حاله يقول “امنحونا استقراراً، نعدكم بالعطاء والإبداع.

سيارة تسقط من أعلى!

في مقابلته مع الميادين نت، نلحظ أنّ الرجل الذي أسس لنظم السير والقيادة للكبار والصغار، تمحّص في دراسة قوانين السير في لبنان ودول العالم، من هنا تجده يملك ملفات ودراسات وصوراً حول إشارات المرور والشاخصات، وأماكن وضعها “الخطأ” في لبنان وغيره.
تعاقب أكثر من وزير لبناني على زيارة المدينة الفريدة، فبعد افتتاحها من قبل وزير الداخلية اللبناني الأسبق زياد بارود، أجرى معلوف تجربة عالمية جريئة عام 2014 بحضور وزير السياحة آنذاك فادي عبود تمثّلت بإسقاط سيارة رفعت بواسطة الرافعة من ارتفاع شاهق، لمعاينة خطر السرعة وعواقبها!

وافتتح وزير الأشغال الأسبق غازي زعيتر عام 2015ـ أكاديمية “آي دي إيه” التابعة للمدينة وهي كانت تحوي أجهزة ومجسّمات، وصفوف تعلّم القيادة ونظمها للكبار والصغار، بما فيهم الشركات الخاصة والبلديات والمؤسسات وغيرهم.

حين تُعلّمنا الإشارات كيف نحبّ القانون؟

في “ريو سيتي” كلّ شيء حقيقي.. الشوارع مرسومة بدقّة، الإشارات موزّعة بعناية، السيارات الذكية تُدار وفق نظام يناسب عمر كلّ طفل. لكن ما يُميّز هذه المدينة حقّاً، ليس الشكل فقط، بل الروح، روح النظام الجميل، المُقنع، القائم على الفهم لا الفرض، على اللعب لا على التلقين.
الطفل هنا لا يتلقّى أمراً، هو يشارك. يدخل المدينة بفضوله، ويخرج منها بسلوك جديد. يعرف متى يقف، متى يتقدّم، وأين عليه أن ينتظر. كلّ حركة تصبح فعلاً تربوياً، وكلّ إشارة حكاية مصغّرة عن معنى المسؤولية.

فلسفة تنمو مع الطفل

يقول القائمون على المشروع إنهم استندوا إلى دراسات علمية دامت 12 سنة في الولايات المتحدة، توصّلت إلى نتيجة حاسمة.:
التعليم الفعّال لا يبدأ في عمر الرشد، بل في الطفولة. فما يتعلّمه الطفل وهو يلعب، يبقى فيه أكثر مما يُقال له لاحقا، وهذا بالضبط ما تفعله “ريو سيتي”.

تدريب الطفل على القيادة، لا من باب المهارة فقط، بل من باب الوعي. تجعله يشعر أنه جزء من مدينة، من نظام، من مسار. وتمنحه، في الوقت نفسه، فسحة ليتصرّف، ليختبر، ليخوض مغامرته الصغيرة بثقة.

الطفل القائد… المواطن في طور التشكّل

ربما أجمل ما في “ريو سيتي” أنها لا ترى في الطفل متلقّياً، بل شريكاً. لا تعامل الطفل كزائر عابر، بل كـ “مواطن صغير” له دور، له مسؤولية، وله حدود..
داخل المدينة، إذا خالف الطفل إشارة مرور، يُوقفه “شرطي صغير” ويشرح له السبب. لا يوجد توبيخ، لا يوجد غرامات. بل حوار، ونقاش، ورسالة تربوية تمرّ بسلاسة من قلب التجربة. هكذا يتحوّل اللعب إلى تمرين مدني. والسيارة الصغيرة إلى مساحة لاختبار الذات. والمسؤولية لا تُفرض عليه، بل تنمو معه، مثل بذرة تُسقى كلما مرّ في شارع جديد.

البيئة التربوية: تصميم يُشبه الحُلم

من يتجوّل داخل “ريو سيتي” يشعر أنه في عالم منمّق، دقيق التفاصيل، لكنه دافئ، غير مغلق.
المدينة مزوّدة بكلّ ما يحتاج إليه الطفل ليشعر بأنه يقود في مدينة حقيقية، لكن بنسخة أكثر حناناً:
· إشارات مرور واقعية.
· ممرات مشاة.
· خطوط توقّف وضباب ومرور.
· سيارات ذكية تُراعي العمر والسرعة.
· شرطة ومراقبون داخل العربات، يتابعون المتدرّب بهدوء، يرافقونه في كلّ جولة.
والأهمّ أنّ التجربة محاطة بجوّ احتفالي، موسيقي، عائلي، العائلة حاضرة، تتابع، تضحك، وتكتشف أنّ القانون ليس نقيضاً للفرح، بل طريقاً إليه.

.
التعليم باللعب: درس في المستقبل

كثيراً ما يُطرح سؤال: كيف نُعلّم الأطفال القوانين من دون أن نُثقل عليهم؟
“”ريو سيتي” تُجيب ببساطة: علّموهم بالقلب، لا بالرأس فقط. حوّلوا القانون إلى لعبة، اللعبة إلى تجربة، والتجربة إلى عادة. كلّ مشهد هنا يُعبّر عن هذه الفلسفة. طفل يتوقّف عند إشارة حمراء، لا لأن أحداً طلب منه التوقّف، بل لأنه تعلّم أنّ الوقوف احترام.

طفل يبتسم بعد أن ركن سيارته في المكان المخصص، لأنه يشعر بالإنجاز. القانون في هذا المكان ليس ورقة، بل سلوك. ليس خوفاً، بل فخر.

من الهواية إلى السياسة التربوية

إنها ليست مغامرة صغيرة، بل مشروع “طويل النفس”، يمكن أن يتحوّل إلى سياسة تربوية تُدرج في المناهج، وتُعمَّم على مختلف المناطق.
فالتربية، حين تُصاغ من عمر مبكر، تنتج مجتمعاً أكثر وعياً، وأقلّ ارتباكاً، وكذلك هي قيادة السيارة وفق الأصول منذ نعومة الأظافر.
إشارات المرور لا تُضيء فقط!
في نظرة واحدة إلى الشارع المصغّر، نرى إشارات مرورية أكثر وضوحاً ممّا في جونية أو كورنيش المزرعة. إشارات دمج، منع التفاف، خطوط أرضية، أرصفة مرتفعة، ومسارات واضحة، تتلاقى في تقاطع يحكمه نظام إشارات ضوئية، وكأننا أمام مختبر حيّ لما يجب أن تكون عليه شوارع الدولة.

من وسط ضحكات الأطفال، من بين خطوط المشاة، ومن إشارات المرور الصغيرة التي تحترم نفسها، تُولد فكرة كبيرة:
أننا لا نحتاج إلى المعجزات لنصنع مجتمعاً أجمل. نحتاج فقط إلى أن نُصمّم البيئات التي تحتضن الفطرة، وتُرشدها برفق. في “ريو سيتي”، الإشارة الحمراء ليست وقوفاً فقط، بل احترام.
والسيّارة الصغيرة ليست لعبة، بل مسؤولية. والطفل ليس عابراً في مدينة مؤقتة، بل هو قلب مدينة مستمرة.… تبدأ فيه.

شاهد أيضاً

على الطاولة… وعلى الحدود

علي علي احمد ثمة شعوبٌ تعرف الحرب من الكتب، وثمة شعوبٌ تعيشها وثمة شعوبٌ تجهلها …