على الطاولة… وعلى الحدود

علي علي احمد

ثمة شعوبٌ تعرف الحرب من الكتب، وثمة شعوبٌ تعيشها وثمة شعوبٌ تجهلها . أما الجنوب، فقد عرفها من البيوت التي أُقفلت على عجل، ومن الحقول التي تُركت خلف أصحابها، ومن الأمهات اللواتي تعلمن انتظار العائدين. عرفها من الاجتياحات والمجازر، ومن سنوات الاحتلال الطويلة التي لم تكن رقمًا في كتاب التاريخ، بل عمرًا كاملًا عاشه الناس بين الحواجز والأسلاك والخوف.

ولأن الدول لا تكون دائمًا حيث يجب أن تكون، حمل أبناء الأرض أرضهم على أكتافهم، وحرسوا ما استطاعوا حراسته بأيديهم العارية حينًا، وبإرادتهم حينًا آخر، ودفعوا من أعمارهم وبيوتهم وأبنائهم أكثر مما ينبغي لوطنٍ أن يطلبه من جزءٍ منه. لم يفعلوا ذلك بحثًا عن بطولة، بل لأن أحدًا كان لا بد أن يبقى واقفًا ليقاوم.

ولهذا لا يحتاج الجنوب إلى تبرير حربٍ ولا إلى اختراع أسبابٍ للخوف، فالتاريخ تكفّل بذلك منذ زمن بعيد. هو الذي يتذكر العاصمة حين كانت السماء تنزل عليها نارًا، والقرى التي استيقظت على الدبابات، والأرض التي بقي جزءٌ منها أسير الاحتلال لثمانية عشر عامًا.

وربما لهذا السبب أيضًا، كان أبناء الأرض وحدهم يعرفون كيف يبقون. فالأرض تعرف أصحابها، وتمنحهم من عنادها ما يكفي كي لا ينكسروا، ومن صبرها ما يكفي كي لا يغادروا. كانوا في كل مرة يدفعون الثمن الأكبر، وفي كل مرة أيضًا كانوا أول من يقف، وأول من يعود، وأول من يزرع ما أفسدته الحروب.

ومع ذلك، يبدو المشهد أكثر قسوة حين تجلس الدولة إلى الطاولة فيما الأرض ما تزال محتلة، والقصف لم يتحول بعد إلى ذكرى. تذهب مثقلة بالخسارات، قليلة الأوراق، كأنها لا تملك من عناصر القوة إلا تسليم أبنائها ، وكأن الجنوب خُلق ليكون الحساب المفتوح الذي تُدفع عليه فواتير الجميع.

وما يؤلم أكثر من العدو نفسه، أن يجد الجنوبي نفسه مضطرًا للدفاع عن وجعه أمام أبناء وطنه، وأن يخوض معركة إثبات الخطر قبل معركة مواجهة الخطر. كأن بعضهم لا يجد مشكلة في أن تُسلَّم مفاتيح البيت لمن يقف عند بابه، بل يجد المشكلة فيمن يرفض تسليمها.

فالعدو مهما تبدل يبقى واضح الملامح، أما أن يصبح الخلاف مع ابن الوطن أسهل من الخلاف معه، وأن يبدو الجلوس معه أمرًا عاديًا فيما الأرض ما تزال تنزف، فذلك جرحٌ عميق وتساؤلات يصعب فهمها.

فالجنوب لم يكن يومًا هامشًا في هذه البلاد، ولم يكن أبناؤه أبناء حربٍ تخصهم وحدهم، بل أبناء وطنٍ واحد يقاومون لاجل بقائه . فالمنطق يقول إذا كانت إحدى غرف البيت تحترق، فلا يملك البيت كله رفاهية التصرف وكأن النار تقع في مكانٍ آخر.
علي علي احمد

شاهد أيضاً

“أنتِ الآن على تخوم العباسية يا سناء”

بقلم الشاعرة سناء زين معتوق لم تكن الطريق من صيدا إلى العباسية طريقًا عاديًا هذه …