“أنتِ الآن على تخوم العباسية يا سناء”

بقلم الشاعرة سناء زين معتوق

لم تكن الطريق من صيدا إلى العباسية طريقًا عاديًا هذه المرة، كانت طريقًا تُقاس بالنبض لا بالمسافة. كان قلبي يقرع في صدري كطبول حرب، فخاطبته: اهدأ أيها القلب، ما بالك تتسارع حتى صرت أسمعك؟ أهو خوف مما ينتظرني من وجعٍ خبّأته الحرب، أم هو احتفالٌ خفيّ بالعودة؟
التزمت الصمت، وبدأت ملامح الدمار تتكشف أمامي شيئًا فشيئًا. غلب اللون الرمادي على كل شيء، حتى السماء بدت كأنها تشارك الأرض حدادها. بساتين الليمون كانت مزهرة، لكنها لم تزهر فرحًا؛ بل أزهرت حزنًا، وارتدت قطرات الندى فيها هيئة دموعٍ على أرضٍ جاورت القمر يومًا بجمالها.
“أنتِ الآن على تخوم العباسية يا سناء”، همستُ لنفسي، وأنا أقترب من نبضي الذي انتظرته ما يقارب الأربعة أشهر. تابعنا الطريق، فبدت صور… عروس المتوسط، ولكنها اليوم عروسٌ جريحة. جرحها لم يكن في حجارتها فقط، بل امتد عميقًا في قلوب كل الجنوبيين. كاد لا يخلو شارع من ركام، ولا زاوية من حكاية ألم.
مررنا قرب مدرسة الاتحاد الابتدائية… المدرسة التي عملت بها يوما، حيث عشت أجمل أيامي، بين أصدقاء ما زلت أعتز بهم. كانت صامتة، باكية، وقد طالها وجع الانفجار حين استُهدفت بناية صوت الفرح بقربها، فاحتضنت هي عصفه. ومع ذلك، بقيت صور كما عهدناها، قلبًا نابضًا لا يعرف التوقف. فقد عادت الحياة تدبّ فيها، وعادت ورش الترميم ترفع الركام عن الشوارع، وانتشرت المضائف على حب الإمام الحسين… وكيف لا، ونحن تعلّمنا من إمامنا معنى الصبر والصمود؟
أكملنا الطريق صعودًا… حتى لاحت العباسية، ضيعتي التي آلمني فراقها، كما آلمني الرجوع إليها. قصدنا جبانة القرية، فلا عودة بلا وفاء. قرأنا الفاتحة على أرواح الشهداء، الذين ببركتهم فُتحت لنا دروب الرجوع.
ثم… وصلنا إلى البيت.
لكن أيّ بيت؟
أهو ذاك الذي تركناه يومًا، أم بيتٌ آخر يسكنه الغياب؟
دخلته بخطى مترددة، كأنني أستأذن الذكريات أن تعود، وكأن الجدران تنتظر أن تسمع صوتنا من جديد…
فعرفت حينها، أن العودة ليست وصولًا… بل بداية حكاية أخرى من الحنين.

الفاتحة لأرواح شهدائنا الأبرار و الحمدلله على سلامة الجمع..

شاهد أيضاً

الشيعة “يتراقصون” غضباً حول نبيه برّي

  لكنه قال لهم انتظروا الحلّ من هِرمِز ..لا من وِزْوِزْ ! عبد الغني طليس …