قمة شرم الشيخ: أيها اللبنانيون، التفتوا إلى بعضكم، حافظوا على عهد لبنان ووجوده

بقلم ناجي علي أمهز

إن استبعاد لبنان وسورية عن قمة شرم الشيخ — وهما على رأس المعنيين بالصراع مع إسرائيل — ليس مجرد غياب بروتوكولي؛ إنه سؤال مزلزل عن موقع البلدين في معادلات التسوية الإقليمية الكبرى. هذا الاستبعاد يضعنا أمام حقيقةٍ لا مفرّ منها: هذان البلدان، على ما يبدو، خارج «المعادلة» الراهنة، وعليهما إعادة ترتيب أولوياتهما سريعًا. لذا وجبت علينا، نحن النخب، كتابة هذه السطور التي أعتبرها امتدادًا لما كتبت سابقًا في مقالي «الشيعة والموارنة وأسباب زوال لبنان» المنشور في 10 – 12 – 2023، أي قبل نحو عامين.

لقد جربنا كل شيء، كل طائفة سعت لإثبات وجودها ونفوذها، وفي نهاية المطاف خسرنا زعماء وقفوا على محراب الوطن. خسرنا كمال جنبلاط (1977)؛ خسرنا بشير الجميل (1982)؛ خسرنا رفيق الحريري (2005)؛ وخسرنا حسن نصرالله (2024). دفعت كل طائفة فواتيرها بأسى وألم وهدرٍ فادح. وفي المقدمة الاقليات الذين لن يُعوّض لهم سوى المحافظة على ما تبقى من لبنان.

خسر لبنان خلال خمسين سنة أكثر من ثلاثمئة ألف شهيد، وأعداد لا تُحصى من الجرحى، وملايين النازحين والمهاجرين — أكثر من مليوني لبناني تركوا الوطن. وداخل الوطن تهجّر الناس من الجنوب إلى الشمال، ومن البقاع إلى الساحل. أما الخسائر المالية — جرّاء الحروب والفساد — فقد بلغت أرقامًا فلكية تتخطى نصف تريليون دولار. ومع هذا كله، وصلنا إلى مشهد دولةٍ مفتقرة إلى أبسط مقومات العيش: مياه صالحة، رعاية صحية لائقة، ضمان اجتماعي للمسنين، وأمن اجتماعي، إضافةً إلى بطالة تصنّف من الأكبر نسبياً في المنطقة.

والخسارة الأهم ليست بنيوية فقط بل وجودية: فقدنا «لبنان الرسالة» — التعايش، الثقافة، الإبداع، تعزيز القيم الإنسانية والحوار. تذكّروا كلمات قداسة البابا يوحنا بولس الثاني حين قال: «لبنان رسالة». فإذا لم نُجسِّد هذه الرسالة، فلا وجود لبنان في خارطة المعنى والحضور.

لبنان ليس منتجًا للنفط أو الغاز، ولا مصنعًا للصناعات الثقيلة. العالم تغيّر؛ لم يعد اقتصاد الخدمات والسياحة وحده كافياً، وخصوصًا بعد خسارة المرفأ وانهيار القطاع المصرفي الذي أظهر كم كان منهجًا انتهازيًا على حساب الوطن والشعب لصالح قلة قليلة.

المنطقة من حولنا تبدلت جذريًا. ما عُرف بالدول الطوق لم يعد كذلك، وداخل فلسطين من همٌ مستعدون للقتال ضد المقاومة بأساليب النار والسياسة، ليس لأن الشعب الفلسطيني لا يريد حريته بل لأن المشهد فقد معناه: طعم الموت بات بلا غاية، والأحلام الوطنية تذوي أمام متغيرات كونية تفوق قدرة الشعوب على الاختيار أو التأثير.

السبب ليس مُجرّد صدفة: اليهود في العالم — في مجملهم المؤثر — يمثلون كتلة موحدة نسبياً في أهدافها، بينما العالم العربي ممزق طوائف ومللًا وأديانًا متناحرة. بينما يتقدم العالم في الصناعة والطب والتكنولوجيا، يغرق العالم العربي في الماضي كأنه يرفض هذا التطور الذي بات أكبر من قدرته العقلية المؤسسية.

لقد خسرنا فلسطين، لكنّ خسارتنا أعظم: خسرنا وجودنا. نحن خارج الزمن، خارج المعادلات الحديثة، خارج فهم قيمة الوقت وصناعة الديمقراطيات وتداول السلطة. في كل مكان في العالم، لانتقال السلطة طقوسه السلمية، أما في عالمنا فانتقالها يكلف الدم والدمار. وهكذا يولد زعيمٌ ليبقى في صراع دائم على البقاء، لأن الشعوب لم تحتكم بعد إلى الديمقراطية والمنطق كقاعدة للبناء.

الربيع العربي، الذي رمى بشرارةٍ في ما تبقى من بنى هذا العالم، لم يكن — كما يزعم السذج — مجرد صناعة خارجية. بل هو صناعةُ وجعٍ داخلي من نظم أفقدتنا رشدنا وحولتنا إلى حالة من الضياع. المسلمون صاروا يخافون من تحول الدولة إلى خلافةٍ تجلِّد الموت وتدمّر التراث وتقتل الآخرين لمجرّد اختلاف عقائدي أو فِكري. والمواطن العربي يعيش انفصامًا بين رؤية التقدم عبر شاشات الفضائيات وواقع بلدانٍ تستورد من أطراف العالم أبسط الضروريات.

لا معيار للجمال والعدالة في أوطاننا: فالمثقف لا يُكافأ، والطبيب لا ينال حقوقه، والمجتهد يُحارب. كما لخّص العالم أحمد زويل مأساة أمّتنا: «الغرب يدعم الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل». هذه هي مأساةنا: سنُحارب كل نجاح — مقاومًا كان أم دولةً أم فردًا — حتى نسقطه.

لنكن واقعيين: الصراع مع إسرائيل في ظلّ هذا الواقع يصبح انتحارًا لا جدوى منه. نفتقد إلى أدوات صناعة القوة: فكرة واضحة، سيناريو محكم، إعلام فعّال، سياسة رشيدة. والأخطر من ذلك هو غياب الوحدة الحقيقية والرؤية المستقبلية؛ كلٌ يعيش يومه وكأنه الأخير.

على اللبنانيين أن يتخذوا قرارًا شجاعًا وموضوعيًا وبلا مزايدات. إن اختفاء لبنان يعني اختفاء المكان للمسيحي كما للشيعي — هكذا ببساطة. فحتى إن اعتقد البعض أنه سيدّعي دورًا جديدًا في حال ضمّ لبنان إلى دولة عربية أخرى، فالحقيقة العملية أن الأمر سيفقد الطوائف هوياتها وأدوارها التقليدية، وما يريده الناس في النهاية هو العيش في رخاء وسلام لا في نزاعٍ دائم.

الحقائق الإحصائية التي بين أيدينا محكمة: ثمة نحو عشرين مليون مسيحي أرثوذكسي في العالم العربي (أكثر من 15 مليونًا في مصر وحدها) ومع ذلك تكاد تمثيلاتهم السياسية تكون هامشية. وثمة عشرون مليون شيعي، ثمانون بالمئة منهم في العراق، حيث صعدوا بعد قرونٍ إلى الحكم، لكن شكلوا نموذجًا فاسدًا وفوضويًا في بلدٍ غني وهو العراق. وفي بقية العالم العربي لم يكن هناك تمثيل حقيقي للشيعة على مستويات القرار.

في لبنان، رغم تضحيات الشيعة وثباتهم، فشل ممثلوهم في إدارة السلطة والحكم. وهذا الفشل يستدعي وقفة صريحة: إن اعتقدت أي طائفة أنها تستطيع العبث بعلّة بقاء لبنان بسبب ما تعتقده صح من وجهة نظرها، فخسارة لبنان تعني نهاية دور كل طائفة.

لقد بات واضحًا أن الفئة المستعدة لخوض قتالٍ حقيقي ضد إسرائيل لا تزيد عن نحو مليوني شخص من أصل 600 مليون عربي. والعالم يعتبر هذه التجمعات هامشية، خارج إطار احتكام الأغلبية. لذا اتُّخذ قرار بتصفية مثل هذه المجموعات — قرار لا يُقرأ فقط كإسرائيلي أو أميركي بل كموقفٍ إقليمي أيضاً.

دعونا نواجه الحقيقة: الأقليات أصبحت عبئًا في أعين كثيرين، وبالذات الأقلية المارونية والأقلية الشيعية. إن لم تتفاهما فيما بينهما كما طالب المبعوث الأميركي توم باراك، فعودة لبنان إلى «بلاد الشام» لن يكون خيارًا مستبعدًا. لأنه في النهاية لا يحق لأحد أن يتهم الآخر بالاخلال بأولويات النضال الخارجي وهو يختلف مع الداخل اللبناني. فالشيعي الذي يريد قتال إسرائيل لا يملك تبريرًا لتفريغ الداخل من التفاهم، وغالبية الموارنة وغيرهم الذين يريدون السلام تماشيا مع الدول العربية الكبرى لا يملكون مبررًا ليهدموا ساحة العيش المشتركة. إذا خسر الشيعي خسر الماروني، وإذا خسر الماروني خسر الشيعي — هذه معادلة وجودية لا حلّ لها إلا بالمصلحة المشتركة للبنان.

قد يعترض البعض، ومن حقه أن يعترض، لكن الواقع أكبر من مزايدات الطائفية. لا يملك أحد ضمانًا بأن البقاء على الحسابات الضيقة سيؤمن وجوده على المدى الطويل. التاريخ يعلمنا أن من يراهن على الانفراد بالقرار سيخسر الوطن أولاً ثم نفسه.

في ضوء هذه القراءة القاسية، أطرح اقتراحًا لا يرتكز إلى وهم: لنتّحد حول العهد والحكومة، ولنعطِ البرلمان فرصةً لإصلاح ما يمكن إصلاحه. ولنفتح صفحة جديدة مع محاسبة الفاسدين كي لا نعيد نفس السيناريو كل مرة. إن لم تُعاقب منظومة الفساد، فسوف تتكرر المسرحية المأساوية ذاتها على مسرحٍ متدهورٍ مرارًا وتكرارًا.
لبنان بحاجة إلى وطنيةٍ مسؤولة، لا شعاراتٍ يرددها بعض العروبيين وثبت انها بلا وزن. يجب أن نختار البقاء — ليس كبقاءٍ شكلي، بل كبقاء ذات معنى: دولة تعمل، مجتمع يتصالح مع نفسه، مؤسسات تحترم القانون، وقيادات تفضّل المصلحة العامة على أي حساب طائفي أو شخصي. فإذا أردنا لبنانًا، فعلينا أن نعيد بناء ما تبقى من ثقة وتعايش وان تكون ملصحتنا فوق اي مصلحة، وإلا فالرسالة التي كان يفترض أن يحملها لبنان إلى العالم ستبقى مجرد ذكرى من زمنٍ مضى.

نعم الحقيقة مؤلمة فالاحصاءات وبالارقام تؤكد ان العالم العربي لم يتفاعل مع قضية غزة حيث سجلت منصة اكس ان عدد الذين تفاعلوا مع غزة حول العالم هم 781 الف حساب من اصل 560 مليون حساب متفاعل شهريا من ضمنهم 200 الف حساب عربي، يعني بنسبة لا تتجاوز 001% كما ان عدد المواقف العربية والاسلامية رغم تكرار بعضها هو 400 موقف رسمي من اصل مليار ونصف مسلم، اما على منصة فيس بوك فان الرقم لم يتجاوز ال 25% يعني ما يقارب 250 الف حساب حول العالم لاسباب تتعلق بسياسة فيس بوك المعروفة.

شاهد أيضاً

الخداع الأمريكي والصهيوني مكشوف، وإيران تقلب الطاولة على الأعداء وتبني مرحلة جديدة لصالح محور المقاومة

يكتبها: محمد علي الحريشي تبجح العدو الصهيوني وزادت نشوته في تحقيق حلمه ببناء دولته الكبرى، …