بين الظنِّ واليَقين في نَبْذ ذاك الزَعيم اللَّعين!

 

بقلم: محمد حمادة

هل صادَفت ذَات مَرة ذاك العجوز الذي أكَلَ الدهر من عُمْره وشَرِب يئن في فراشه وحيداً، بين سكون الليل القاتل وضجيج الصَباح الذي يصمُّ الآذان من ألمِ غِياب أحِبَته، منهم من غيَّبَه الموت وآخر ضاع في مجاهل الفقر والقهْر أو غرق في الغربة،
ليبقى وحيداً في عُزلته ينتظر الموت في سكرات لا تنتهى، هل عرفته؟
هذا العجوز الذى ارتحلت عنه هو ….أَباك !

نعم أَباك!!!

وسِّع صدرك أخي القارئ وخُذ نفساً عميقاً…

– للفاجِعة تتمة –

ألم تُصادِف ذات مرة وأنت في زيارة لأحد الأصدقاء في مشفى حكومي، أن رأيتَ عَجوزاً مُلقاة على قارِعة الطريق تَتَلوى من شدة الألم ولا يلتَفِت لها أحد، ونور عَيّنيها انطفأ من بُكاء دامَ أربعين سنة على فراق أحبة لها، هل عرفتها؟ إنها أُمك.

نعم أُمك!!!

لا داعى لِفَرك صَدرِك ألماً، ما عَليك إلا أن تأْخُذ ذاك النفَس الآنف ذِكْره، واستعن بالصبر.

ولنُكْمل…

ألا تَذكر الأطفال وهم يَحْمِلون الرُّضَّع وزهرات الوجود يهيمون بين الأزقة والطرقات يتسَوّلون ويتوسلون، والحياء الوردي في وجوههم قد تحوّل إلى سواد وقِح، وفضول الطفولة أصبح ذُلّ، هل رأيتهم وهم يطرقون على النوافذ، تَنْهَرهُم وتُهينهم أحياناً، وتلّعَن من دَفعهُم إلى هذا الواقع أحياناً أخرى، هذا الرضيع هو طفلك وهذه الزهرة هي ابنتك.

نعم ابنتك!!!

لا تتظاهر صديقي القارئ بالغَفلة، فأنت تراها الآن رؤية العين.

وإذا أَذِنْتَ لي فلنُتابِع…

هل أمكنك رؤية رجال ونساء ينحَنون في مَكبّ النفايات يلتقطون ما يُمكنهم لِسَدّ رمقهم وإطعام أطفالهم، إنهم إخوتك وأخواتك.

حسناً لن أُطيل…

الآن… أتذكر ذاكَ الرجل الذي التقيته ذات مرة وأخذ يخبرك عن حالهِ وأحوالهِ، وأنه عاش غريباً في وطنه محروماً من أَمنِه وكرامته، وإنسانيته التي غافَلَته فهجرته، والذل الذي صادَقَه في غُربَته، وعائلته التي فارقته، ليبقى وحيداً إلا من زمرة أمراض نفسية وجسدية أَبَت إلا أن تكون الرفيق المُخلص الدائم له، لِيَعُدّ الأيام عدّاً وينتظر الموت وعداً، بعد أن فَتَك به كل ما هو لعين، أتذكره؟ إنه أنت.

نعم أنت، وهو، وهم، وهن وهؤلاء، تَيقّن بأنك لست وحيداً…

ختامًا…

أتذكر عزيزي القارئ حين سألتني ذات مرة، عن تأويل الحُلم الذي راودك مُنذ نشأَتك الأولى، بأن هناك في مَدينتُك وحوشًا نهمة شرِسة، ورغم ضَرَاوتِها تضع على وجوهها أقنعة تَرف ذات أشكال سَمِحة، ولها من حلاوة اللِسان ما يطرب الآذان، منهم من لَبِس لَبوس الدين، ومنهم من تَفنَّن في عَقْد ربطات العُنق… وكان من عجائب الطبيعة وكرمها أنها وهبت تلك الوحوش بِنِعَم لا تُعدّ ولا تُحصى ومع ذلك أَبْت تلك الكائنات إلا أن تَتلذذ باغتصاب اليتامى من أولادكم، وتُقيم الأفراح أمام مآتمكم، وولائمها من لُحومِكم وأنخابها من دمائكم، تُمارس هواية الوَثْب فوق رؤوس المعاقين منكم، والسباحة في بحر من دموع أطفالكم، ترضع الحليب من صدور أمهاتكم الثكلى ويوؤدون أطفالكم أحياء على مرأى منكم، ينهبون قوتكم ويكنزون الذهب والفضة، هوايتهم المفضلة إذلال الناس، يضيؤون مصابيح قصورهم الفارهة ويطفئون قناديلكم، لهم الدفء ولكم البرد القارس، لهم الضحك ولكم النحيب والبكاء، لهم الفرح ولكم الكرب، لهم العِلم ولكم الجهل، لهم الصحة والعمر المديد ولكم المرض والموت الزؤام، لهم الجنَّة ولكم النار والجحيم، هم النخبة وأنتم العامة، هم الأعلى وأنتم الأدنى هم المؤمنون وأنتم الكفرة الفجرة…

لا أُخفيكَ سِراً صديقي القارئ…

بَحَثت في كل كُتب تفاسير الأحلام وفهارس الفلاسفة وعلماء النفس من ابن سيرين إلى سيغموند فرويد،
فلم أجد في هذا العالم ما يشبه هذا الكرب الذي سميته حُلم، فأَشْفَقْت عليك!

أما آن الأوان لتخرج من دائرة الظَّن إلى اليقين في نَبْذِ ذاك الزَعيم اللعين؟!

بالطبع… قد لا تكون أنت المقصود بالقارئ، هذا في حال لم يكن لديك رأي آخر..
أما الزَعيم في هذا المقال فهو جمع زُعماء فوجب التنبيه لأخذ الحيطة والحذر…

محمد حمادة
من أصحاب اليَقين

شاهد أيضاً

مدير عام وزارة الإعلام السابق ، الإعلامي والمحلل السياسي محمد عبيد لـ”وجهة نظر”:

  * اتفاق الإطار غير موجود، وبالتالي لن يستطيعوا تطبيق أي حرف منه كما حصل …