البعد السايكولوجي في منحوتة الطائر في الفضاء BIRD IN SPACE

 

للنحّات العالمي قسطنطين برانكوزي (1957-1876 )

بقلم الدكتورة بهية أحمد الطشم

“انّ سرّ النجاح في الحياة هو أن تواجه مصاعبها بثبات الطير في ثورة العاصفة ” هي العبارة الذّهبية التي آثرنا البدء بها لاستقراء منحوتة ” الطائر في الفضاء” للنحّات الروماني العالمي قسطنطين برانكوزي .


فالحرية سماء والسّماء وطن ومجابهة الصّعاب بجمّ الارادة كالطائر الحُر هي أهم استحقاق وجودي .
ولعلّنا بهذا الصّدد نستقرأ بجدير الاعجاب منحوتة لامعة في تاريخ الابداع العالمي لأحد أبرز النحّاتين المؤثّرين في القرن العشرين وهي منحوتة”الطائر في الفضاء,والتي استغرقت من صاحبها سنوات عديدة من العمل الدؤوب….
برانكوزي المتأثّر بأستاذه رودان ,والذي أعطى أولوية كبيرة للناحية التجريدية في مجال الفن,الأمر الذي انعكس ابداعاً مُفارِقاً في أهم ابداعاته سيّما منحوتة الطائر في الفضاء.
ولا غرو أن تعكس هذه المنحوتة بجذافيرها رغبة عارمة لدى صاحبها بالتسامي على الواقع والتحليق عالياً في عالم مغاير عن حدوده( الواقع).
ولعلّ فلسفة الميل الأساسي الكامنة في خلفية ابراز مفهوم التحليق ضمن حنايا المنحوتة الاستثنائية :أنّها منبثقة عن معاناة عظيمة طبعت بطابعها حياة النحّات المبدع ومنذ نعومة أظفاره, فقد كانت طفولته مسبوكة بالآلام العارمة ,حيث بدأ العمل في سِن السابعة وغادر قريته في الحادية عشرة من عمره ,وغالباً ما كان يهرب من قساوة المعاملة من والده وأشقائه ( من زوجة والده الأولى).

انبرى برانكوزي الى رحلة كفاحه نحو العالمية في فنّ النحت ,وكان عمله الأول في متجر بقالة,ثمّ في نحت الخشب والتحق فيما بعد بمدرسة الفنون والحِرَف ,وقد فاز بجوائز بارزة عن العديد من منحوتاته .
وانتقل صانع التحفة العالمية فيما بعد الى باريس ,وكذلك جاب في العديد من المتاحف حول العالم ,و حَدَث في مرة من المرات أن باع ساعة اليد لدفع المقابل المادي لعبور القارب عبر بحيرة كونستاس ,حيث تلتقي ألمانيا ,سويسرا والنمسا ,لكي يلتحق بمدرسة باريس للفنون الجميلة سنة 1919 .
اذاً ,تأثّر بارنكوزي بأستاذه رودان ,والجدير بالتأمّل هو نحت الطيور الذي ساد سيادة عارمة في أعماله,
ولعلّ اهمّها وأكثرها شُهرة في هذا الصّدد المنحوتة الخالدة عبر الزمن.
لا نرى في حنايا التحفة الفنية جسم الطائر الفيزيقي,بمعنى( الأجنحة, الريش),وانّما نلحظ بتمعن العلامة السيميائية البارزة لحركة الطائر أثناء التحليق في أديم السّماء ,والتسامي فوق العالم المادي وقيوده.
ويغلب على المنحوتة المصقولة من البرونز والتي ظهرت للمرة الأولى عام 1919 طابع الحميمية والأناقة البصرية التي تركت بصمة رائدة في حركة النحت الحديث ,وما زالت أيقونة فنية تتحدى عوامل النسيان,اذ أمسكت بدقة متناهية دينامية التحليق للطائر وخلّدتها مسبوكة في قالب ستاتيكي فني فذّ.
وفي اطار استكمال أبرز الدلالات السيميائية للمنحوتة الشامخة عبر ارهاصات الزمن,نستقرأ من القاعدة الدائرية التي تتمركز عليها التحفة حكاية الأرض والسّماء….الخيال ,الابداع والواقع….
فقرُص الشمس ( مركز الكون) يسكن في السماء ,وكذلك القمر عندما يكون بدراً ,والأمر عينه عند الطائر المحلّق جائباً الحدود والقارات في كل اصقاع العالم.
وكذلك, فالشكّل الدائري يتناسب بشكل جيد مع الجهاز البصري ويريح حاسة النظر ,ونستذكر في هذا السّياق التجربة التي أجراها عالم النفس جون بازيللي ,واستنتج في سِياق بحثه .أنّ الشكل الدائري بشكل مجرّد يرمز الى السّعادة .
وفي الاطار ذاته ,يتماهى رأس المنحوتة مع رأس الطائر في أقرب مماثلة بين الواقع والخيال.

وفي الخلاصة,نلتمس حكمةً باهرة ألا وهي: ما أجمل التحليق بمنأى عن كافّة السّجون أو القيود ,حيث نتعلّم من الطيور لغة الحرية وهي أسمى ما نرنو اليه !

شاهد أيضاً

🔴نيويورك تايمز تكشف تفاصيل مثيرة عن عملية اغتيال “أبو البرنامج النووي الإيراني”

باريس _ عيسى ريشوني كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” تفاصيل مثيرة حول عملية قتل العالم النووي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.