بقلم: أمين السكافي
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾
ليست الكلمات مجرد حروف تُقال ثم تتلاشى في الهواء، وليست الأصوات التي تخرج من الأفواه أصواتاً عابرة لا يترتب عليها أثر. فالكلمة منذ أن عرف الإنسان معنى الشرف كانت ميزان الرجال، وبها يُعرف الصادق من المدّعي، والثابت من المتلوّن، وصاحب المبدأ من تاجر المواقف. ولطالما كانت قيمة الإنسان الحقيقية فيما يلتزم به لا فيما يقوله فقط، لأن الأقوال الرنانة لا تحتاج إلى شجاعة، أما الوفاء بها حين تشتد المحن وتتغير الظروف فهو الامتحان الأصعب الذي لا ينجح فيه إلا أصحاب الإرادات الصلبة.
وللأسف، أصبح من الشائع في زمننا أن يقطع الإنسان على نفسه وعداً أو عهداً، ثم يتنكر له عند أول اختبار، وكأن الكلمات التي نطق بها لم تخرج يوماً من فمه، وكأن الالتزام الأخلاقي والإنساني بات تفصيلاً يمكن تجاوزه كلما تبدلت المصالح أو تبدلت الحسابات. ولذلك لم يكن عبثاً أن يأتي الأمر الإلهي واضحاً وصريحاً في القرآن الكريم: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾، لأن الله سبحانه وتعالى يعلم أن قيمة المجتمعات والأمم تُبنى على الثقة، والثقة لا تقوم إلا على الوفاء، وأن انهيار العهود هو بداية انهيار الأخلاق والقيم والإنسان نفسه.
وفي خضم الأحداث المتسارعة التي تعيشها منطقتنا، برز مثال حي على معنى الالتزام بالعهد عندما أعلنت إيران المجتبى أن أي تعرض من قبل الصهاينة لبيروت أو لضاحيتها، سواء بطلقة غادرة أو بصاروخ مخادع، لن يمر دون عقاب للمعتدي. لم يكن ذلك مجرد تصريح إعلامي يضاف إلى أرشيف المواقف، ولم يكن كلاماً للاستهلاك السياسي أو التعبئة المعنوية، بل كان تعهداً واضحاً أمام الناس وأمام التاريخ.
وعندما وقع الاعتداء، وُضع ذلك الالتزام موضع التنفيذ، وهنا تبدأ اللحظة الحقيقية التي يُعرف فيها معدن الرجال. فالمحن لا تخلق الشخصيات بقدر ما تكشف حقيقتها، والشدائد لا تصنع القيم بل تظهر مدى رسوخها في النفوس. وفي تلك اللحظات الفاصلة يصبح التراجع خياراً متاحاً، ويصبح الصمت أكثر أمناً، ويصبح الانتظار أكثر راحة، لكن أصحاب العهود لا يقيسون الأمور بهذه الطريقة.
لقد كان المرشد الخامنئي الشاب يدرك حجم المخاطر التي قد تترتب على أي رد تجاه الكيان الصهيوني. كان يعلم أن الرد قد يستجلب ردوداً أكبر، وأن الأساطيل المنتشرة في المضائق المحيطة بإيران قد تتحرك، وأن القواعد الأميركية المنتشرة في الدول المجاورة قد تدخل على خط المواجهة، وأن المنطقة كلها تقف فوق برميل بارود قابل للاشتعال في أي لحظة. ومع ذلك، ورغم حساسية المشهد وتعقيداته، لم يكن منطق الحسابات الباردة هو الذي حكم القرار، بل كان منطق الوفاء بالعهد.
إن الشجاعة الحقيقية ليست في إطلاق التهديدات، بل في تحمّل تبعاتها عندما يحين وقت التنفيذ. والشرف ليس في قطع الوعود، بل في احترامها عندما تصبح مكلفة. لذلك لم يُؤجل العهد حتى تُدرس الظروف من جديد، ولم يُرحّل إلى وقت أكثر ملاءمة، بل كان الوفاء بالكلمة هو العنوان الأبرز لمن يرى أن قيمة الإنسان تكمن في صدقه مع نفسه قبل صدقه مع الآخرين.
فالعهد في النهاية ليس اتفاقاً عابراً بين طرفين، بل هو علاقة أخلاقية بين الإنسان وضميره. وحين تصبح الكلمة أغلى من الخوف، ويصبح الالتزام أثمن من المصالح، يولد الرجال الذين تصنع أفعالهم التاريخ، لا أولئك الذين تملأ خطاباتهم الشاشات ثم تتبخر عند أول امتحان.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على عالم امتلأ بالوعود المنقوصة والعهود المكسورة: كم نحن بحاجة اليوم إلى رجال يعتبرون الكلمة ديناً في أعناقهم، والعهد مسؤولية يسألون عنها أمام الله وأمام الناس وأمام التاريخ؟ فالأمم لا تحفظها القوة وحدها، بل يحفظها أيضاً أولئك الذين إذا عاهدوا وفوا إذا قالوا فعلوا، وإذا التزموا لم تغيرهم العواصف مهما اشتدت .
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
