🖋️ رضوان حسين وعيل
حين يرتدُّ البصرُ خاسئاً وهو حسيرٌ أمام مشاهد الدمار والاستباحة التي يمارسها الكيان الصهيوني برعايةٍ أمريكيةٍ مطلقة، لا يملك العقلُ المستبصرُ إلا أن يفكّك جغرافيا هذا الطغيان؛ ليبحث في أسبابه وجذوره، لا في مظاهره وقشوره. إن التدقيق في معادلة القوة الراهنة يكشف حقيقةً صارخة: إن القوة الاستكبارية لـ”أمريكا وبني صهيون” ليست قدراً إلهياً، ولا هي نابعة من عبقريةٍ ذاتيةٍ خارقة، بل هي بناءٌ اصطناعيٌّ شاهق، يرتكز بالكامل على قواعد طينية، صُنعت بأيدي أنظمة التخاذل، ومُوّلت بخزائن النفط العربي، وحُميت بعقائد التدجين والمسخ الثقافي التي رعتها عروش الانبطاح.
من هنا، يبرز السؤال الوجودي الكبير، الممتد من عمق التاريخ إلى ساحات المواجهة المعاصرة: “كيف كان سيكون واقع أمريكا وبني صهيون لو انقلبت هذه المعادلات، وتحررت الأمة من قيود الارتهان؟”
أولاً: خريطة الانهيار الاقتصادي والعسكري للمشروع الاستعماري
لو لم يكن حكّام العرب، وأنظمة الخليج على وجه الخصوص، هم الداعمين والممولين والدافعين لثمن الأسلحة والسياسات التي تُذبح بها الأمة، لكان واقع أمريكا وبني صهيون واقعاً غارقاً في الإفلاس والتمزق والافتقار للقدرة على البقاء.
“عروش النفط والدفع المسبق:” إن الغرب الرأسمالي، وعلى رأسه واشنطن، يعيش كالفطريات على مص دماء الثروات العربية. لو كفّت خزائن النفط عن الدفع، ولو حُرمت الخزانة الأمريكية من مليارات “البترودولار” التي تُضخّ لإنقاذ اقتصادها المترنح لشراء صفقات سلاح مشروطة بعدم الاستخدام ضد العدو، لكانت أمريكا اليوم غارقة في أزماتها الداخلية، عاجزة عن تمويل أساطيلها التي تمخر البحار لحماية الكيان الغاصب.
“تخاذل المليار والنصف:” كيف يكون حال الصهاينة لو لم يكن المسلمون، والعرب بالذات، متخاذلين ومنبطحين؟ إن المليار ونصف المليار مسلم يمثلون طاقة بشرية وجغرافية مرعبة، لكنها معطلة بفعل الأنظمة. لو تحرر هذا المليار والنصف، وصاروا يبادرون إلى الهجوم والمواجهة بدلاً من الاكتفاء بردود الأفعال الباردة، لابتلعت جغرافيا المنطقة هذا الكيان المسخ في أيامٍ معدودات، ولتراجعت أمريكا إلى ما وراء المحيطات، تندب حظها الإمبراطوري الآفل.
“دعم المصانع العالمية:” يحتشد الغرب بتحالفاته الطاغية رغم ما بينهم من فرقة وخلافات تاريخية، وتتحرك مصانع العالم أجمع لتدعمهم حتى ينتصروا؛ وذلك لأنهم وجدوا في الساحة العربية والمسلمة فراغاً ومساحاتٍ مستباحة. لو كان العالم العربي والإسلامي “منفضحاً” على حقيقته في مواجهة العدو عوضاً عن تآمر الأنظمة السري، لامتنع العالم عن دعم كيانٍ محكومٍ عليه بالزوال الحتمي.
ثانياً: معركة الوعي والثقافة.. من “التدجين” إلى “محور الجهاد والممانعة”
إن الأخطر من الدعم المالي والعسكري هو “الدعم الثقافي والروحي” الذي وفرته أنظمة الخيانة للعدو الصهيوني. وهنا يظهر بوضوح الدور التخريبي الذي مارسته ثقافات دُجّنت في دهاليز “آل سعود” وأشباههم، حيث جرى تحريف المفاهيم، وصُنع إسلام مشوّه، يُحرّم الخروج على الحاكم العميل ويُجرّم الجهاد ضد العدو الصهيوني، ويستبدل بوصلة العداء من “إسرائيل” إلى حركات المقاومة الحرة.
“ثقافة المؤمنين المجاهدين:” لو كانت ثقافة المسلمين اليوم هي ثقافة الكرامة، وثقافة “المؤمنين المجاهدين” التي يعتصم بها رجال محور الجهاد والممانعة، لكانت جبهات الأمة مشتعلة وعياً واستبصاراً. في هذا الواقع المفترض، لا تجد أمريكا مساحةً لغرس “مذهب التطبيع”، ولا يجد الصهاينة أرضاً يأمنون عليها؛ لأن الوعي القرآني والجهادي يفرز الخبيث من الطيب، ويجعل الأمة في حالة استنفار دائم لا يقبل المساومة.
“انتماء للهوية الإسلامية:” لو كان العرب والمسلمون ينتمون بحق وبصدق لهويتهم الإسلامية الأصلية، لا لهويات سايكس بيكو المصطنعة، لكانت الرابطة بينهم هي رابطة الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. عندها، لن تجرؤ طائرة صهيونية على قصف غزة أو بيروت؛ لأنها تعلم أن الرد سيأتي من بغداد وصنعاء وطهران والقاهرة ودمشق في آنٍ واحد.
ثالثاً: الجذور التاريخية للاختلال ومفتاح الحل (الولاية والقيادة الربانية)
إن التفكك الحاصل اليوم في الأمة ليس وليد الساعة، بل هو امتدادٌ لانحرافاتٍ تاريخية قديمة غيّبت منهج القيادة الحقّة. فلو عدنا إلى الجذور، وتساءلنا: “كيف سيكون واقع أمريكا وبني صهيون لو لم تكن “سقيفة التعاون” والتآمر التاريخي التي أسست لإقصاء المنهج الحقيقي للقيادة؟”
“تحت راية علي بن أبي طالب:” لو كان المسلمون منذ الفجر الأول، وحتى اليوم، ملتزمين بولاية الله، ومتحدين تحت راية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) -صاحب الولاية، والكرار الذي لا يفر، وقامع الكفر والشرك في خيبر- لما وجدت الأمة نفسها تتسول السلام على عتبات البيت الأبيض. إن ولاية علي هي ولاية الشجاعة، والبصيرة، والحق المطلق، ورفض الدنية في الدين. لو كان عليٌّ هو المرجعية والقائد للمسلمين، لتربت الأمة على ثقافة الفداء والجهاد، ولكان واقع بني صهيون التلاشي والعدم؛ لأن من تخرجوا من مدرسة خيبر لن يقبلوا ببقاء غدة سرطانية صهيونية في قلب أمتهم.
“القادة العابدون والالتزام بولاية الله:” لو كان قادة الأمة ومن يمثلونهم عابدين لله حق العبادة، مخلصين له، متحررين من الخوف من المخلوق، لكان واقع العرب والمسلمين واقعاً عزيزاً مستقلاً. إن القيادة التي تؤمن بالله وتدعو للجهاد بصدق، تستمد قوتها من القوي العزيز، وعندها تتبدل الموازين الغيبية والمادية.
“معادلة الغضب الإلهي:” إن أشد ما يؤلم في الواقع الراهن هو أن يسخر الله أحياناً طاقات الكون وعوامل الطبيعة كأدوات عقاب للأمة بسبب تخاذلها، فتكون “يد الله وغضب الله ضاربين إلى يد أعدائنا” عقاباً على التقاعس. لكن، لو كان المسلمون في محور الحق، يمثلون الإسلام الاستشهادي الأصيل، لكانت يد الله معهم، ولتغيرت المعادلة ليصبح المؤمنون هم يد الله الضاربة التي يُعذب بها المنافقين والكفار: “{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}”.
خاتمة: عودة إلى البوصلة
إن واقع “أمريكا وبني صهيون” الحالي هو انعكاسٌ مباشر لمرآة العجز والتآمر الرسمي العربي والإسلامي. لكن هذا الواقع ليس أبدياً؛ فمحور الجهاد والممانعة اليوم، ومن خلال إحيائه لثقافة الاستشهاد والولاية والارتباط بالمنهج القرآني، يثبت للعالم أجمع أن القوة الصهيونية-الأمريكية نمرٌ من ورق إذا ما جوبهت بإرادةٍ حرّة مؤمنة.
لو تحررت الأمة، واتحدت تحت راية القيادة الربانية الملتزمة بولاية الله، لصار واقع أمريكا انكماشاً وعزلة داخل حدودها، ولكان واقع بني صهيون حقائب تُحزم ورحيلاً جماعياً في ليلٍ مظلم، ولعادت للأمة هيبتها وصدارتها بين الأمم، تحت ظلال راية الحق والجهاد التي لا تنكسر.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
