هرمز ليس كل القصة.. من الخليج إلى باب المندب

خالد بن سالم الغساني

ينشغل العالم اليوم بمضيق هرمز، بإعتباره أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وباحتمالات التصعيد حوله أو تهديد الملاحة فيه. غير أن هذا التركيز الكثيف على هرمز  يحجب مشهداً أوسع يجري في الوقت نفسه في البحر الأحمر وباب المندب، حيث تتسارع تحولات استراتيجية تعيد رسم خريطة الممرات البحرية في المنطقة.

فالقضية ليست مرتبطة بمضيق واحد، وإنما بمنظومة بحرية مترابطة تمتد من الخليج العربي، عبر مضيق هرمز، إلى بحر العرب، ثم باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، وصولاً إلى شرق المتوسط. هذه السلسلة تمثل شرياناً حيوياً للتجارة والطاقة وحركة الأساطيل، ولذلك تحولت إلى مجال تنافس بين قوى إقليمية ودولية تسعى إلى تأمين مصالحها وتعزيز نفوذها.

ظل مضيق هرمز لعقود طويلة مركز الثقل في حسابات الطاقة العالمية، لأنه البوابة التي يمر عبرها جزء كبير من صادرات النفط والغاز من الخليج. ولهذا ارتبط اسمه دائماً بالأزمات بين إيران والولايات المتحدة، وبالخوف من ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الاقتصاد العالمي. لكن اختزال المشهد في هرمز وحده يجعل القراءة ناقصة، لأن البحر الأحمر وباب المندب باتا اليوم لا يقلان أهمية في معادلة الأمن البحري.

في البحر الأحمر تتقاطع خطوط التجارة بين آسيا وأوروبا، وتبرز أهمية قناة السويس وباب المندب باعتبارهما نقطتي عبور لا غنى عنهما. كما تتزايد مشاريع الموانئ والقواعد العسكرية والتحالفات الأمنية، بما يجعل هذا البحر ساحة مفتوحة لإعادة ترتيب النفوذ. ولذلك لم تعد القوى الكبرى تنظر إلى هرمز والبحر الأحمر كملفين منفصلين، بل كحلقتين في سلسلة استراتيجية واحدة.

ضمن هذه المعادلة، تبرز المصالح الأمريكية والإسرائيلية بوضوح. فالولايات المتحدة تنظر إلى الممرات البحرية باعتبارها جزءاً من نظام الهيمنة العالمي وضمان تدفق الطاقة والتجارة وحركة قواتها. أما إسرائيل، فإن البحر الأحمر يمثل لها منفذاً استراتيجياً عبر إيلات، ومساحة مهمة لكسر العزلة الجغرافية وتعزيز ارتباطها الأمني والاقتصادي بالمحيطين العربي والأفريقي.

ومن هنا يمكن القول إن ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب لا ينفصل عن الرؤية الأمريكية ـ الإسرائيلية الأوسع للمنطقة. فكلما تعزز الحضور العسكري والتحالفات البحرية وترتيبات حماية الملاحة، اتسع الهامش الاستراتيجي لإسرائيل، وتراجعت قدرة القوى المناهضة لها على التأثير في طرق التجارة والضغط البحري. ولذلك فإن الحديث عن حماية الملاحة لا يخلو من بعد سياسي، لأنه يفتح المجال أمام إعادة تشكيل ميزان القوة في واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم.

ليست المسألة إذن أزمة في هرمز، ولا توتر في البحر الأحمر، وإنما هي جزء من صراع أوسع على التحكم في الممرات التي تربط الشرق بالغرب. فهرمز يفتح بوابة الخليج، وباب المندب يتحكم في مدخل البحر الأحمر، وقناة السويس تصل هذه المنظومة بالمتوسط وأوروبا. ومن يملك القدرة على التأثير في هذه العقد البحرية يمتلك ورقة ضغط كبرى في السياسة والاقتصاد والحرب.

لذلك، فإن مراقبة هرمز وحده قد تجعلنا نغفل التحول الأكبر الجاري أمامنا. فبينما تتجه الأنظار إلى الخليج، تتقدم في البحر الأحمر ترتيبات أمنية وعسكرية واقتصادية قد تكون أكثر عمقاً وأطول أثراً. والمشهد الحقيقي لا يُقرأ من مضيق واحد، بل من الخريطة كاملة، التي تبدأ من هرمز إلى باب المندب، ومن البحر الأحمر إلى قناة السويس، حيث تتداخل المصالح الأمريكية والإسرائيلية في مشروع أوسع لإعادة رسم المجال البحري للمنطقة بما يخدم موازين القوة الجديدة.

شاهد أيضاً

مليونيات التحذير والنفير

محمد القيري شهدت المحافظات اليمنيه مليونيات التحذير والنفير للنظام السعودي في رفع الحصار عن اليمن …