بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل
في الأوطان التي تعيش على حافة العواصف، لا تُقاس قيمة الرجال بما يرتدونه من رتب، ولا بما يحيطهم من مظاهر السلطة، بل بما يحملونه في أعماقهم من إيمانٍ راسخ بأن الوطن ليس قطعةً من الجغرافيا، بل روحٌ تسكن القلوب، ورسالةٌ تُؤدّى، وأمانةٌ لا يليق بها إلا الصادقون.
فحين تضيق الأرض بما عليها، وتتشابك الأزمات حتى تبدو كأنها قدرٌ لا نهاية له، يصبح القائد أكثر من صاحب قرار؛ يغدو ضميرًا يقظًا، وعينًا لا تنام، وركيزةً يستند إليها وطنٌ أنهكته التجارب، لكنه لم يفقد إيمانه بأن في أبنائه من يحرس بقاءه.
وفي لبنان، حيث تتعانق المآسي مع الأمل، وتتشابك السياسة مع الأمن، وتختلط أصوات القلق بإرادة الحياة، لا تكون القيادة العسكرية مجرد وظيفةٍ تؤدّى، بل مسؤوليةٌ بحجم وطنٍ يرفض السقوط، مهما تكاثرت عليه الرياح.
ومن هنا، تتجلّى صورة العماد رودولف هيكل، لا بوصفه قائدًا عسكريًا فحسب، بل بوصفه رجلًا حمل على عاتقه مسؤولية مؤسسةٍ بقيت، رغم كل ما مرّ على لبنان، إحدى الركائز التي حفظت للدولة توازنها، وللناس شعورهم بأن للوطن من يحرسه حين تضيق السبل.
فالنجوم التي تزيّن كتفيه ليست زينةً عسكرية، ولا أوسمةً تُعلّق على الزي الرسمي، بل هي حكاياتُ سنواتٍ طويلة من الانضباط، والعمل، والتدرّج، والصبر، والتضحية. هي شهادةٌ على مسيرةٍ أدرك صاحبها أن الرتبة ليست امتيازًا، بل عبءٌ يكبر كلما ارتفعت المسؤولية، وأن القيادة ليست حقًا يُكتسب، بل واجبٌ يتجدد مع كل فجر.
غير أن القائد الحقيقي لا تصنعه النجوم، بل تصنعه اللحظات التي يقف فيها بين الخيارات الصعبة، فيختار الوطن. فالقرارات الكبرى لا تُولد في ضجيج المنابر، بل في صمت الضمير، حين يصبح الأمن مسؤوليةً أخلاقية قبل أن يكون مهمةً عسكرية، وحين يكون الحفاظ على الإنسان جزءًا من الحفاظ على الدولة.
ولأن لبنان ليس وطنًا عاديًا، فإن قيادته ليست امتحانًا عابرًا. إنه وطنٌ تتقاطع فوق أرضه المصالح، وتتنازع حوله المشاريع، وتختبره الأزمات في كل حين. لذلك، فإن من يتولى مسؤولية الدفاع عنه لا يحمل سلاحًا فحسب، بل يحمل تاريخًا، وهويةً، وأمل شعبٍ يريد أن يرى دولته أقوى من انقساماتها، وأكبر من أزماتها.
إن صيانة سيادة لبنان ليست شعارًا يُقال، بل فعلٌ يومي يتطلّب يقظةً دائمة، وحكمةً في إدارة التحديات، وإيمانًا بأن كرامة الوطن لا تُجزّأ، وأن استقلال قراره هو الأساس الذي تُبنى عليه هيبة الدولة وثقة المواطنين بها.
وفي زمنٍ تتبدّل فيه المواقف بسرعة، تبقى المؤسسات الوطنية الثابت الحقيقي الذي يحول دون انزلاق البلاد إلى الفوضى. ومن هنا، تكتسب القيادة العسكرية معناها الأعمق؛ فهي ليست إدارةً للقوة، بل إدارةٌ للتوازن، وحمايةٌ للاستقرار، وصيانةٌ لوحدة الوطن في أكثر مراحله حساسية.
إن القيادة ليست أن تكون في المقدمة حين يكون الطريق آمنًا، بل أن تبقى ثابتًا حين تتكاثر العواصف، وأن تحسن التمييز بين القوة والحكمة، وبين الحزم والانفعال، وبين القرار الذي يخدم اللحظة، والقرار الذي يحفظ مستقبل الوطن.
وليس أصعب من أن تكون قائدًا في لبنان؛ هذا الوطن الذي يضع أبناءه دائمًا أمام امتحان الوفاء. فهو لا يمنح أحدًا رفاهية الخطأ، ولا يسمح بأن تتحول المسؤولية إلى وسيلةٍ للمجد الشخصي، لأن المجد الحقيقي هنا لا يُكتب بالأسماء، بل بما يتركه الإنسان من أثرٍ في حياة وطنه.
وحين نتأمل معنى القيادة، ندرك أنها ليست سلطةً تُمارس، بل أخلاقٌ تُجسّد، وليست نفوذًا يُفرض، بل ثقةٌ تُكتسب، وليست حضورًا في المشهد، بل حضورٌ في ضمير الوطن. فالقائد الذي يحمل وطنه في قلبه، لن يحتاج يومًا إلى أن يرفع صوته؛ لأن أفعاله ستتكلم عنه حيث تعجز الكلمات.
وفي النهاية، لا يبقى في ذاكرة الأوطان عدد الرتب، ولا أسماء المناصب، بل يبقى أولئك الذين جعلوا من المسؤولية رسالة، ومن الصمت حكمة، ومن الإخلاص أسلوب حياة. فالوطن لا يحفظ أسماء من مرّوا عليه، بل يخلّد الذين مرّوا من أجله.
سيظل لبنان، مهما أثقلته الجراح، وطنًا يستحق أن يُحمل في القلب قبل أن يُرسم على الخرائط؛ وطنًا لا تحرسه الحجارة وحدها، بل ضمائر الرجال الذين يؤمنون أن السيادة ليست شعارًا، وأن الكرامة ليست كلمة، وأن الوفاء للوطن عهدٌ لا يسقط بتغيّر الأزمنة.
وهكذا، تصبح النجوم على الكتفين أكثر من شاراتٍ عسكرية؛ تصبح رموزًا لمسؤوليةٍ ثقيلة، ويغدو القلب الذي يسكنه لبنان أعظم من كل الأوسمة، لأن القائد الحقيقي ليس من يحمل الرتبة فحسب، بل من يحمل الوطن في كل قرار، وفي كل موقف، وفي كل نبضة ضمير. .
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
