Screenshot

العيش على حافة الهاوية


بقلم: أمين السكافي.                                                    
الحلقة الثالثة والأخيرة

لم يكن عام 1982 مجرد محطة عسكرية في تاريخ لبنان الحديث، بل بدا وكأنه نقطة انعطاف كبرى أعادت رسم موازين القوى، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة لم يكن اللبنانيون يدركون آنذاك أنها ستمتد لعقود طويلة وتترك آثارها على السياسة والمجتمع والهوية.
بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، دخل لبنان مرحلة مختلفة من الصراع. ففي الوقت الذي ظنّ فيه البعض أن صفحة الحرب شارفت على نهايتها، بدأت في المقابل أشكال جديدة من المواجهة. وعلى امتداد الجنوب ومناطق أخرى، تشكّلت مجموعات مقاومة لبنانية متعددة المشارب والانتماءات، شاركت فيها قوى سياسية وفكرية متباينة؛ من أحزاب يسارية وقومية إلى قوى إسلامية، ولكل منها دوافعها ورؤيتها وإمكاناتها.
تدريجيًا، أخذت العمليات العسكرية ضد الوجود الإسرائيلي تتكاثر، ومع ازدياد الخسائر البشرية والضغط الأمني والعسكري، بدأ الانسحاب الإسرائيلي يأخذ طابعًا متدرجًا في بعض المناطق، بينما ظل الجنوب ساحة مواجهة مفتوحة لسنوات طويلة.
سياسيًا، شهدت تلك المرحلة محاولة لإعادة صياغة موقع لبنان الإقليمي عبر توقيع اتفاق 17 أيار عام 1983 بين الدولة اللبنانية في عهد الرئيس أمين الجميل الذي تولى السلطة بعد مقتل أخيه بشير وحكومة الرئيس شفيق الوزان من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، في اتفاق أثار انقسامات داخلية واسعة. غير أن عمر الاتفاق لم يطل، إذ سقط لاحقًا في ظل تحولات داخلية وإقليمية أبرزها أحداث السادس من شباط 1984 وما تبعها من تبدّل في موازين القوى، وعودة التأثير العربي والإقليمي بقوة إلى الساحة اللبنانية.
في الوقت نفسه، تعرّض الوجود العسكري الغربي في لبنان لضربات كبيرة كان أبرزها تفجيرات استهدفت القوات متعددة الجنسيات، وأسهمت في تسريع انسحابها من البلاد، لتعود الساحة اللبنانية مجددًا إلى معادلات النفوذ الإقليمي والتوازنات المحلية المعقدة.
لكن خلف المشهد الصاخب، كان يتكوّن لاعب جديد بهدوء.
ففي البيئة الشيعية اللبنانية، ووسط ظروف الحرب والاجتياح والتهميش الاجتماعي والسياسي الذي شعر به كثيرون، بدأت تتبلور نواة تنظيم جديد استلهم المرجعية الإسلامية الثورية في إيران بعد عام 1979. ورغم أن بدايات نشاطه تعود إلى السنوات الأولى بعد الاجتياح، فإن ظهوره العلني جاء عام 1985 عبر ما عُرف بالرسالة المفتوحة.
كان ذلك الحزب هو حزب الله، الذي قدّم نفسه بوصفه حركة مقاومة إسلامية ذات مرجعية عقائدية واضحة، واستند إلى دعم سياسي وعسكري ومالي من إيران، في حين كانت حركة أمل تمثّل في تلك المرحلة قوة رئيسية أخرى داخل البيئة الشيعية وتحظى بعلاقات وثيقة مع سوريا. ومع الوقت، دخل الطرفان في تنافس في بعض المراحل حول النفوذ والدور داخل الطائفة وداخل مشروع مقاومة الاحتلال.
ومع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية وتوقيع اتفاق الطائف عام 1989، دخل لبنان مرحلة إعادة بناء الدولة وإنهاء معظم الحالات العسكرية الحزبية. أُقفلت صفحات كثيرة من الحرب، وانتهت فعليًا صورة بيروت الشرقية والغربية، وعادت العاصمة مدينة واحدة بعد سنوات من الانقسام.
غير أن الجنوب بقي يحمل خصوصيته.
ومع بدايات التسعينيات، تبلور تفاهم سياسي ـ أمني بين دمشق وطهران أتاح استمرار العمل المقاوم ضد إسرائيل عبر حزب الله في الجنوب اللبناني، بينما استقر الداخل اللبناني نسبيًا تحت المظلة السورية.
وخلال تلك السنوات، تصاعدت عمليات المقاومة ضد المواقع الإسرائيلية وجيش لبنان الجنوبي، وصولًا إلى الانسحاب الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية عام 2000.
غير أن الانسحاب لم يأتِ بلا أثمان.
فقد دفع الجنوب اللبناني أثمانًا بشرية ومادية كبيرة، وشهد محطات مؤلمة بقيت حاضرة في الذاكرة الجماعية، ومنها مجزرة قانا عام 1996 خلال عملية «عناقيد الغضب».
ورغم هدوء نسبي شهدته البلاد بعد ذلك، فإن الداخل اللبناني لم يكن قد دخل مرحلة استقرار فعلي. فقد ظهرت اعتراضات واسعة داخل شرائح مسيحية على طبيعة النظام السياسي الجديد وعلى مستوى النفوذ السوري في البلاد، وبرز آنذاك في الخطاب السياسي تعبير «الإحباط المسيحي» لوصف شعور جزء من المسيحيين بتراجع حضورهم السياسي مقارنة بمراحل سابقة.
ثم جاء عام 2005 ليشكّل منعطفًا جديدًا مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تبعه من انسحاب القوات السورية من لبنان، وانقسام داخلي حاد بين معسكري الثامن والرابع عشر من آذار، رافقته توترات سياسية وأمنية واغتيالات متتالية.
ولم تمضِ سوى أشهر حتى عاد الجنوب إلى واجهة الأحداث مجددًا.
في صيف 2006 اندلعت حرب تموز بين إسرائيل وحزب الله، واستمرت ثلاثة وثلاثين يومًا، تاركة وراءها دمارًا واسعًا وخسائر إنسانية كبيرة، لكنها رسخت أيضًا معادلات جديدة في ميزان الردع على الحدود الجنوبية.
وفي السنوات اللاحقة، لم تعد أزمات لبنان منفصلة عن تحولات الإقليم.
الحرب السورية وما تبعها من تغيرات سياسية وعسكرية، والتحولات التي شهدتها المنطقة، ثم انفجار المواجهة الكبرى بعد أحداث السابع من أكتوبر في غزة، كل ذلك أعاد لبنان مرة أخرى إلى موقع التماس، لتتحول جبهته الجنوبية بين لحظات إسناد وتصعيد ومواجهات مفتوحة، وصولًا إلى هدنات ووقف إطلاق نار ظل هشًا ومتقلبًا.
وهكذا، يبدو أن لبنان، منذ نشأته الحديثة وحتى اليوم، لم يعرف الاستقرار إلا بوصفه استراحة قصيرة بين أزمتين.
الخلاصة:
لم تكن فكرة هذه السلسلة إثبات أن لبنان بلد محكوم بالفشل، بل محاولة لقراءة أسباب هشاشته المزمنة.
فلبنان، على صغر مساحته، يحمل في داخله تنوعًا دينيًا وثقافيًا وسياسيًا نادرًا، وهو تنوع كان مصدر غنى في لحظات، ومصدر توتر في لحظات أخرى. تتقاطع داخله الهويات المحلية مع المصالح الإقليمية، وتتجاور فيه الطوائف مع الدولة، والزعامات مع المؤسسات، والانتماءات الخارجية مع فكرة الوطن.
ولعل المعضلة اللبنانية لم تكن يومًا في وجود الاختلاف، بل في غياب مشروع جامع قادر على تحويل هذا الاختلاف إلى قوة بدل أن يبقى مصدر نزاع دائم.
لقد عاش اللبناني طويلًا على حافة الهاوية، لكنه في كل مرة كان يجد طريقة للبقاء.
وربما تكمن خصوصية هذا البلد في أنه لا يموت بسهولة… لكنه أيضًا لا يتعب من اختبار حدوده القصوى.

شاهد أيضاً

المُخلِص

عدنان عبدالله الجنيد المُخلِصُ ليسَ صفةً عابرة، بل مقامٌ تُزكّيه النيّات وتُقيمه العهود. هو ذلك …