بدأت بيروت بمفاوضات مباشرة مع تل أبيب وتوصلت إلى إعلان “اتفاقية إطار”
ملخص
مثل الفلسطينيين فعل سكان جنوب لبنان في أعقاب حربين داميتين في عامي 2024 و2026 قتل في خلالهما أكثر من 9 آلاف شخص بينهم نسبة عالية من الأطفال والنساء والعجزة، إذ خرجوا من ديارهم هرباً من الموت والدمار، وجراء إنذارات إخلاء كثيرة واكب عليها الجيش الإسرائيلي طوال أمد الحرب، يحملون مفاتيح أبوابهم على أمل انتهاء فصول الحرب وعودتهم إليها، لكن إسرائيل لم تُبقِ في عشرات القرى الحدودية، في الحافة الأمامية والخلفية وبمسافة تراوح ما بين 5 كيلومترات و10، على بيوت وأبواب كي يعود سكانها إليها بعدما دمرت كل صور الحياة فيها.
سرت مفاعيل هدنة وقف إطلاق النار التي أعلنت في الـ20 من يونيو (حزيران) الجاري بصورة نسبية في الشكل الميداني، بيد أنها لم تسر بعد في نفوس سكان جنوب لبنان، إذ لم يعلن حتى الآن عن توقف الحرب بصورة قطعية أو “رسمية”، وثمة مناطق واسعة من جنوب نهر الليطانيوجزء من شمال النهر لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر، في وقت تواصل فيه إسرائيل قصفها عدداً من المناطق المجاورة لتمددها الحالي، وثمة مخاوف كبيرة من أن يطول أمد العودة إلى القرى الجنوبية إذا ما ظل الجيش الإسرائيلي يمنع هذه العودة ويتمسك بإعلان قياداته عن إنشاء منطقة عازلة قرب حدود مستوطناته الشمالية لا سكن فيها ولا حياة تنتشر على مساحة نحو 50 قرية ومزرعة وتلال تشرف عليها.
هذا الأمر يشكل قلقاً غير منقطع لأهل القرى والبلدات الحدودية من أنهم ممنوعون من العودة إلى أجل غير مسمى، وربما لن يعودوا نهائياً، وسط مخاوف من أن يتكرر السيناريو عينه الذي حصل مع الفلسطينيين بعد نكبة عام 1948، إذ خرجوا من ديارهم هرباً من الحرب والموت، يحملون مفاتيح أبوابهم على أمل العودة، ولم يتحقق لهم ذلك على رغم مرور 78 عاماً على “النكبة“. هذا الأمر يشبه إلى حد كبير ما حصل في الحرب الأخيرة بجنوب لبنان التي بدأت منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي ولم تنتهِ فصولها حتى اليوم، في حين بدأت السلطة اللبنانية بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل وتوصلت إلى إعلان “اتفاقية إطار“، في وقت يبقى فيه أكثر من نصف مليون نازح يتأرجحون بين إمكان العودة أو عدمها.
“خرجوا بمفاتيح أبوابهم”
مثل الفلسطينيين فعل سكان جنوب لبنان في أعقاب حربين داميتين في عامي 2024 و2026 قتل في خلالهما أكثر من تسعة آلاف شخص بينهم نسبة عالية من الأطفال والنساء والعجزة، إذ خرجوا من ديارهم هرباً من الموت والدمار، وجراء إنذارات إخلاء كثيرة واكب عليها الجيش الإسرائيلي طوال أمد الحرب، يحملون مفاتيح أبوابهم على أمل انتهاء فصول الحرب وعودتهم إليها، لكن إسرائيل لم تُبقِ في عشرات القرى الحدودية، في الحافة الأمامية والخلفية وبمسافة تراوح ما بين خمسة كيلومترات و10، على بيوت وأبواب كي يعود سكانها إليها بعدما دمرت كل صور الحياة فيها.
في السياق رأى رئيس تجمع أبناء البلدات الجنوبية الحدودية طارق مزرعاني من حولا قضاء مرجعيون (جنوب) أن “وضع الفلسطينيين يوم هجروا من ديارهم ربما كان أفضل بكثير مما نحن عليه اليوم، إذ إن قراهم لم تدمر عن بكرة أبيها كما حصل لقرانا، وفي حينه لم يكن سلاح الجو الإسرائيلي يمتلك هذه القدرة التدميرية التي يمتلكها اليوم، وقد حول بواسطتها قرانا إلى خرائب غير صالحة للسكن في المدى المنظور”.
أضاف مزرعاني “الأزمة الحالية التي يعانيها مئات آلاف النازحين والمهجرين الجنوبيين تخطت مجرد تدمير المنازل، والتي كان يمكن العودة إليها طالما ظلت معالم القرى واضحة، بل وصلت إلى تدمير قرى كاملة بمختلف معالمها الحياتية، مما يجعل استعادتها كما كانت أمراً شبه مستحيل، وكذلك يجعل المفاتيح التي حملناها بين أيدينا يوم غادرنا تحت التهديد والوعيد وإنذارات الإخلاء على أمل العودة بعد أيام أو أسابيع قليلة، تماماً مثلما حصل مع الفلسطينيين عام 1948، لا جدوى منها ما دامت الأبواب دمرت أو أحرقت أو حتى انتزعت وسرقت، لكن الفلسطينيين لو عادوا اليوم وبعد 78 عاماً من النكبة، ربما سيجدون في الأقل قرى قائمة حتى لو كانت متهالكة بفعل الهجران الطويل الأمد، وبيوتاً لها أبواب”.
تهجير ولا عودة
يلفت مزعاني إلى أن “إعادة التعمير، ولو في حدها الأدنى مما كانت عليه القرى من مؤسسات وحياة، ستكون بالغة الصعوبة، فبناء منزل يعد أمراً يسيراً مقارنة بإعادة إنشاء ضيعة متكاملة بأسواقها ومصالحها وفرص العمل فيها، والأمر يحتاج إلى أموال طائلة وتعويضات وسنوات من إعادة بناء ما تهدم”.
وأعرب مزرعاني عن مخاوفه “من تكرار التجربة الفلسطينية، وأن يكون تهجير الجنوبيين من ديارهم وقراهم بلا عودة كما حدث في فلسطين، بخاصة لجهة الدمار الشامل. لكن، لن نسلم الأمر بهذه السهولة، فالوضع عندنا يختلف نوعاً ما عما كان عليه الفلسطينيون آنذاك… ويبقى احتمال إطالة أمد الأزمة والسيطرة الطويلة على الأرض ومنع سكانها من العودة أمراً وارداً أو متوقعاً”. وأشار إلى أن “ما يختلف في مناطقنا عن فلسطين أن الإسرائيليين يفتقرون في هذه المنطقة إلى الجذور التاريخية، ففي فلسطين قبل احتلالها كان لليهود انتشار واسع ويعيشون فيها إلى جانب سكانها العرب، وجهزوا لها أرضية ترانسفير عبر فترات طويلة، لكن وإن لم يحدث استيطان أو ضم في قرانا، فإن المنطقة مهددة بالتحول إلى منطقة عازلة مهجورة ومعزولة تفتقر إلى مقومات الحياة، شبيهة بوضعية القنيطرة في سوريا أو ما يجري العمل عليه في غزة”.
وأوضح مزرعاني أن “سياسة تفريغ الأرض من السكان بعد تدمير المباني والمؤسسات والمعالم جعلت قرانا مكشوفة بالكامل عسكرياً أمام أي حركة. إن إقامة حزام أمني بالمفهوم القديم والاعتماد على جيش منشأ ومجهز من قبل إسرائيل على شاكلة جيش لبنان الجنوبي (تشكل بدعم من إسرائيل) بات أمراً صعباً لعدم إمكان تشكيل حزام مماثل من السكان الحاليين في بعض القرى المسيحية، أو السنية، أو حتى الدرزية. ويبدو أن الجانب الإسرائيلي يسعى إلى السيطرة على نقاط رئيسة، واستغلال خلو القرى لكشف أي حركة عسكرية مضادة له، مما يعزز موقفه باستخدامها كورقة ضغط قوية في المفاوضات لتحقيق مكاسب معينة، أو فرض شروط في الاتفاقات المستقبلية تشمل تحديد مواقع معينة لهم في جنوب لبنان أو نشر قوات دولية متعددة الجنسيات في النقاط الاستراتيجية”.
وأكد أيضاً بقاء مخاوف اللاعودة قائمة كاحتمال ناتج من أطماع إسرائيل التوسعية في الأرض والمياه وأبعادها الاستراتيجية، على رغم الرفض الشعبي التام لذلك، و”تتفاوت مشاعر الناس حالياً بين اليأس والتفاؤل والحماسة، حتى العودة لو تحققت في الغد، فإن هذا الأمر يحتاج إلى توافر مقومات الحياة الأساسية، ولن ننسى غياب المدارس، والمستشفيات، والطرق، والبنى التحتية بسبب التدمير المنهجي الذي تعرضت له قرانا الحدودية ما يعقد الموقف كثيراً مقارنة بمناطق أخرى لم تدمر بالكامل”.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net

