الفجوات القانونية والواقعية في اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل: قراءة في قابلية التنفيذ واستدامة السلام

 

إعداد: الدكتور فريد جبور
مونتريال – كندا
27 حزيران 2026

ليست قيمة أي اتفاق دولي في عدد مواده أو في اللغة الدبلوماسية التي صيغ بها، وإنما في قدرته على الصمود أمام أول أزمة تواجهه. فقد أثبت تاريخ العلاقات الدولية أن معظم الاتفاقات لا تنهار بسبب نقص في النصوص، بل بسبب وجود فجوات قانونية أو واقعية تسمح بتفسيرات متعارضة أو تجعل التنفيذ مستحيلاً. لذلك فإن تقييم أي اتفاق لا يبدأ بالسؤال: ماذا نص عليه؟ بل بالسؤال الأكثر أهمية: ماذا أغفل؟ وكيف سيُطبّق عندما تتعارض المصالح؟

وانطلاقاً من هذه القاعدة، فإن القراءة الموضوعية للنص المتداول لاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، إذا كان يعكس مضمونه النهائي، تكشف عدداً من الفجوات القانونية والواقعية التي تستحق الدراسة، بعيداً عن التأييد أو الرفض السياسي.

أولاً: غياب المرجعية القانونية النهائية

تعتمد الاتفاقات الدولية المستقرة على وجود مرجعية قانونية واضحة لحسم الخلافات التفسيرية. أما إذا اكتفى الاتفاق بإنشاء لجان مشتركة أو برعاية سياسية من دون تحديد جهة قانونية مستقلة للفصل في النزاعات، فإن كل طرف يصبح قادراً على تفسير النص وفق مصالحه.

وتظهر التجربة الدولية أن غياب آلية تحكيم أو مرجعية قضائية أو لجنة مستقلة لتفسير الاتفاقات يؤدي غالباً إلى تحويل الخلاف القانوني إلى أزمة سياسية أو أمنية. ولذلك فإن أول اختبار لأي اتفاق ليس توقيعه، بل كيفية معالجة أول خلاف حول تفسيره.

ثانياً: غياب جهة محايدة لتحديد الخروقات

من أهم عناصر نجاح اتفاقات وقف الأعمال العدائية وجود هيئة مستقلة تحدد بصورة موضوعية الطرف الذي خرق الاتفاق. أما إذا تُرك هذا التقدير لكل طرف على حدة، فإن كل حادث ميداني قد يتحول إلى ذريعة لاستئناف العمليات العسكرية.

لقد أظهرت التجارب في مناطق نزاع عديدة أن الاتفاق الذي لا يتضمن نظاماً واضحاً للرصد والتحقق والمساءلة يبقى هشاً، لأن الطرفين يحتفظان عملياً بحق إعلان أن الطرف الآخر هو من بدأ الخرق.

ثالثاً: غموض المفاهيم الأمنية

تستخدم بعض الاتفاقات عبارات مثل “التهديد”، أو “التهديد الوشيك”، أو “الإجراءات الضرورية”، من دون تحديد مضمونها القانوني. وتكمن خطورة هذه الصياغة في أنها تمنح كل طرف مساحة واسعة للاجتهاد في تفسير متى يصبح استعمال القوة مشروعاً.

ومن منظور القانون الدولي، كلما ازدادت المصطلحات العامة اتسعت إمكانات التفسير الأحادي، وهو ما قد يفرغ الاتفاق من مضمونه العملي.

رابعاً: الفجوة بين النص والواقع

من الناحية النظرية، يمكن لأي اتفاق أن ينص على انتشار الجيش، أو حصرية السلاح، أو إنهاء الأعمال العدائية. إلا أن النصوص القانونية لا تغير الواقع الاجتماعي والسياسي بمجرد توقيعها.

فالتاريخ اللبناني، كما تجارب دول عديدة خرجت من النزاعات، يؤكد أن الانتقال من التعدد الأمني إلى احتكار الدولة للقوة يحتاج إلى توافق سياسي، وبناء مؤسسات، وثقة مجتمعية، وليس إلى نص قانوني فحسب.

ومن هنا، فإن نجاح أي اتفاق يبقى رهناً بقدرته على التكيف مع الواقع، لا بقدرته على وصفه.

خامساً: غياب خارطة طريق تفصيلية

الاتفاقات الناجحة تحدد بدقة تسلسل الالتزامات، والجدول الزمني، وآليات المراجعة، والإجراءات الواجب اتباعها عند تعثر التنفيذ.

أما إذا بقيت المراحل الأساسية مفتوحة على التقدير السياسي، فإن التنفيذ قد يتحول إلى عملية تفاوض مستمرة، بدلاً من أن يكون تطبيقاً لنص قانوني واضح.

سادساً: الفجوة الدستورية

إذا كان الاتفاق يتناول مسائل تتعلق بحالة الحرب، أو السيادة، أو الأمن الوطني، فإن نفاذه داخل لبنان لا يخضع للقانون الدولي وحده، بل أيضاً لأحكام الدستور اللبناني، ولا سيما المادة 52 المتعلقة بإبرام المعاهدات.

ومن ثم، فإن استكمال الإجراءات الدستورية ليس مسألة شكلية، بل يمثل الضمانة الأساسية لإضفاء الشرعية الداخلية على الالتزامات الدولية.

سابعاً: غياب التوازن في آليات التنفيذ

في علم العلاقات الدولية، لا تقاس عدالة الاتفاق بتساوي النصوص، وإنما بتوازن آليات تنفيذها.

فإذا امتلك أحد الطرفين قدرة أكبر على فرض تفسيره أو فرض وقائع ميدانية أثناء التنفيذ، فإن الاتفاق قد يتحول تدريجياً إلى أداة لإدارة اختلال ميزان القوى بدلاً من معالجته.

ولهذا تؤكد الأدبيات الاستراتيجية أن الاتفاقات المستقرة تحتاج إلى آليات تنفيذ متوازنة ورقابة محايدة تمنع الانفراد بتفسير الالتزامات.

ثامناً: تأثير المتغيرات الإقليمية

لا يعمل أي اتفاق بمعزل عن بيئته الجيوسياسية. فالتحولات في العلاقات الأميركية–الإيرانية، أو في السياسات الإسرائيلية، أو في مواقف القوى الدولية، قد تؤثر مباشرة في آليات التنفيذ.

ومن هنا، فإن استدامة الاتفاق لا تعتمد فقط على إرادة طرفيه، بل أيضاً على استقرار البيئة الإقليمية والدولية التي ولد فيها.

تاسعاً: الفجوة بين السلام القانوني والسلام الفعلي

يميز علم إدارة النزاعات بين “السلام السلبي”، الذي يعني وقف العمليات العسكرية، و”السلام الإيجابي”، الذي يعني إزالة أسباب النزاع وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات بصورة سلمية.

وهذه التفرقة أساسية، لأن كثيراً من الاتفاقات نجحت في وقف إطلاق النار، لكنها أخفقت في بناء سلام دائم، نتيجة بقاء أسباب الصراع السياسية والاجتماعية والاقتصادية من دون معالجة.

الخاتمة

إن القراءة القانونية والواقعية لاتفاق الإطار، استناداً إلى النص المتداول، تقود إلى نتيجة منهجية مفادها أن نجاح الاتفاق لن يتوقف على الإعلان عنه أو على عدد بنوده، وإنما على معالجة الفجوات التي قد تعيق تنفيذه.

وتتمثل أبرز هذه الفجوات في غياب مرجعية قانونية مستقلة لتفسير الاتفاق، وعدم وضوح آلية محايدة لتحديد الخروقات، واتساع هامش تفسير المفاهيم الأمنية، والفجوة بين الالتزامات القانونية والقدرة الواقعية على تنفيذها، فضلاً عن الإشكالات الدستورية المرتبطة بنفاذه داخل النظام القانوني اللبناني.

ومن منظور القانون الدولي وعلوم الدولة وإدارة النزاعات، فإن الاتفاق المستدام ليس هو الذي ينجح في وقف القتال مؤقتاً، بل هو الذي ينجح في بناء منظومة قانونية ومؤسساتية تمنع عودة النزاع، وتؤمن توازناً بين السيادة والشرعية وقابلية التنفيذ. أما إذا بقيت هذه الفجوات من دون معالجة، فإن الاتفاق قد يتحول إلى مرحلة جديدة من إدارة الأزمة، لا إلى نهاية حقيقية لها.

شاهد أيضاً

الفري يستقبل نقيب موظفي قاديشا

استقبل رئيس الرابطة الثقافية في طرابلس الصحافي د. رامز الفري نقيب موظفي وعمال شركة كهرباء …