الحب… الجريمة الوحيدة التي يرتكبها الإنسان وهو يبتسم.

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل

ماذا لو كان الحب هو الشعور الوحيد الذي يستطيع أن ينقذ الإنسان… وأن يدمره في الوقت نفسه؟
ماذا لو كانت أعظم الحروب قد بدأت باسم الحب، وأجمل التضحيات وُلدت من أجله؟ ولماذا، كلما ظن الإنسان أنه فهم الحب، اكتشف أنه كان يقف على عتبة معناه فقط؟
الحب هو المفارقة الأكبر في حياة البشر؛ نطارده منذ ولادتنا، ونهرب منه حين يقترب، ونكتب عنه آلاف الصفحات، ثم نعجز عن تعريفه في سطر واحد. إنه الشعور الوحيد الذي يجعل الإنسان قويًا إلى حد التضحية، وضعيفًا إلى حد الانكسار، ولذلك لم يكن الحب يومًا مجرد عاطفة، بل امتحانًا للأخلاق، واختبارًا للحقيقة، ومرآةً تكشف الإنسان كما هو، لا كما يريد أن يبدو.
ليس الحب بريئًا كما تصفه القصائد، ولا جميلًا كما ترسمه الروايات، ولا نقيًا كما يحاول الشعراء إقناعنا. إنه أكثر المشاعر تناقضًا في تاريخ البشرية؛ فهو وحده القادر على أن يرفع الإنسان إلى قمم السمو، وأن يهوي به إلى قيعان الانكسار في اللحظة نفسها. لذلك لم يكن الحب يومًا مجرد عاطفة، بل قوة تصنع الإنسان أو تعيد تشكيله، وقد تهدمه إن أساء فهمها.
منذ أن خطّ الإنسان أول حرف على جدار الزمن، وهو يكتب عن الحب أكثر مما يعيشه، ويتغنى به أكثر مما يفهمه، ويحلم به أكثر مما يحافظ عليه. حتى بدا وكأن البشرية كلها تحفظ تعريف الحب، لكنها تجهل معناه الحقيقي. فالحب ليس ما يُقال، بل ما يُمارس، وليس ما نشعر به للحظات، بل ما نختاره كل يوم رغم التعب والاختلاف وتقلبات الحياة.
العجيب أن العالم كله يتحدث عن الحب، بينما يغرق في الكراهية. نحتفل بعيد الحب، ثم نعود لنغتال بعضنا بالحقد، ونمزق العلاقات بالكذب، ونهدم البيوت بالأنانية، ونكسر القلوب بلا رحمة. فهل اختفى الحب فعلًا؟ أم أن الإنسان أصبح بارعًا في تمثيله حتى صدّق نفسه؟
لقد تحوّل الحب في عصرنا إلى سلعة تُسوَّق باحتراف. شركات تبيع الورود، ومتاجر تبيع الهدايا، ومنصات تبيع الوهم، بينما القلب الصادق أصبح عملة نادرة. صرنا نبحث عن علاقة تُدهش الآخرين، لا عن علاقة تُطمئن أرواحنا. أصبح المظهر أهم من الجوهر، والصورة أهم من الحقيقة، والتصفيق أهم من السكينة.
كم هو مؤلم أن تكون أكثر كلمة تُقال في العالم هي: “أحبك”، بينما أكثر شعور يشتكي منه الناس هو الوحدة. كيف اجتمع هذا الفيض من الكلمات مع هذا الجفاف في الأرواح؟ لأننا استبدلنا صدق المشاعر ببلاغة العبارات، والوفاء بحسن التمثيل، والحضور الحقيقي بالحضور الإلكتروني.
الحب لا يحتاج إلى شاعر يصفه، بل إلى إنسان يجسده. لا يحتاج إلى رسائل طويلة تُكتب في منتصف الليل، بل إلى قلب يبقى حين يرحل الجميع، وإلى يد لا تفلت يدك عندما تنطفئ الأنوار. فالمواقف هي اللغة الوحيدة التي لا تعرف الكذب، وكل ما عداها قابل للتزييف.
وأسوأ ما ارتكبه الإنسان بحق الحب أنه حوّله إلى امتلاك. يقول: “أحبك”، بينما يقصد: “كن كما أريد”. فإذا اختلف معه من يحب، أعلن نهاية العلاقة، وكأن الحب عقد إذعان لا مساحة فيه للحرية. والحقيقة أن الحب لا يلغي شخصية الآخر، بل يحميها. لا يصادر حريته، بل يمنحه الأمان ليكون نفسه دون خوف.
ليس كل عاشق إنسانًا نبيلًا، وليس كل من بكى كان صادقًا. فهناك دموع تسقط من أجل الكبرياء، لا من أجل المحبة، وهناك اعتذارات هدفها استعادة السيطرة، لا إصلاح القلوب. لذلك لا تنخدعوا بسهولة بالكلمات؛ فهي أرخص ما يملكه الإنسان، أما الأفعال فهي الثروة التي لا يستطيع المنافق تقليدها طويلًا.
لقد أصبحنا نعيش زمنًا يخاف فيه الناس من الصدق أكثر مما يخافون من الخيانة. فالصدق يحمّل صاحبه مسؤولية، أما الخداع فيمنحه مكاسب مؤقتة. ولهذا كثرت العلاقات، وقلّ الأمان. كثر العشاق، وندر الأحبة.
الحب ليس أن تجد من يملأ فراغك، بل أن تجد من يجعلك أفضل مما كنت. فإن جعلك الحب أكثر أنانية، فهو ليس حبًا. وإن جعلك أكثر كذبًا، فهو ليس حبًا. وإن جعلك تتنازل عن كرامتك أو تهدم إنسانيتك، فهو ليس حبًا، بل تعلقًا يرتدي قناع العاطفة.
وفي النهاية… لا يموت الحب لأن الزمن مرّ، ولا لأن المسافات اتسعت، بل يموت حين تُقتل فيه الحقيقة، ويُدفن الصدق تحت ركام المصالح، ويصبح الوفاء استثناءً بدل أن يكون قاعدة. فالحب ليس كلمة تُقال عند الحاجة، ولا وعدًا يُكتب على ورق، بل موقف يُختبر حين تتغير الظروف، وتشتد العواصف، وتسقط الأقنعة.
سيأتي يوم ينسى الناس فيه ملامحنا، وتضيع أصواتنا في زحام الزمن، لكنهم لن ينسوا أبدًا كيف جعلناهم يشعرون. فإما أن نترك في قلوبهم أثرًا يشبه النور، وإما أن نترك ندبةً لا تلتئم.
لهذا، لا تبحث عن قلبٍ يقول لك: “أحبك”، بل ابحث عن روحٍ تثبتها كل يوم دون أن تنطق بها. فالحب الحقيقي لا يحتاج إلى شهود، لأن التاريخ لا يخلّد العبارات، بل يخلّد المواقف. وحين يصبح الحب أخلاقًا قبل أن يكون شعورًا، ووفاءً قبل أن يكون وعدًا، ورحمةً قبل أن يكون شغفًا… عندها فقط، لا يولد الحب فحسب، بل يولد الإنسان من جديد.

شاهد أيضاً

المُخلِص

عدنان عبدالله الجنيد المُخلِصُ ليسَ صفةً عابرة، بل مقامٌ تُزكّيه النيّات وتُقيمه العهود. هو ذلك …