حين ارتفع نصفُ الجنوب… وصعد محمد سعد وخليل جرادي على سلّم الفداء والقيادة

بقلم: أمين السكافي

لا تبدأ سيرة محمد سعد وخليل جرادي من يوم ولادتهما، بل من لحظةٍ أبعد، حين كان الجنوب يبحث عن ذاته بين الركام والحرمان، ويستعيد صوته المكسور من تحت أنقاض القهر. في تلك القرى التي تشرب الصبر مع ماء الصباح، وُلد الاثنان كأن الأرض اختارتهما ليكونا شهودها وأمناءها. هناك، تشكّلت روحيهما على خطاب الإمام موسى الصدر، فكان الوعي المبكر بالكرامة والعدالة أول سلاحٍ حملاه، وأعمق انتماء.

في حركة أمل، وجدا الطريق التي تشبههما. لم يدخلاها كمن يبحث عن موقع، بل كمن يدخل معبد المعنى. ومع السنوات، تدرّجا في المسؤوليات حتى صارا من أعمدتها الصلبة، في التنظيم، وفي الميدان، وفي أشدّ المهمات حساسية. كان محمد سعد عقلًا هادئًا يخطّط كما ينسج الناس حلمهم، خطوةً خطوة، وكان خليل جرادي قلبًا جسورًا لا يعرف التردّد، يتقدّم حيث يتراجع الآخرون. التقيا على فكرة، وافترقا عنها إلى ميدانٍ واحد: مقاومة الاحتلال حتى آخر نبض.

في العمل المقاوم، صارا معًا مدرسة في الانضباط والشجاعة. لم تكن عملياتهما اندفاعًا عاطفيًا، بل هندسة دقيقة للضربات، تجمع بين حساب العقل ونبض القلب. ومع كل إنجاز، كان الجنوب يستعيد جزءًا من ثقته بذاته، وكان العدو يضيف مساحة جديدة إلى جغرافيا الخوف. لم يكن يخشى السلاح فقط، بل المنهج: منهج الرجال الذين لا يساومون على الحق، ولا يتعبون من طول الطريق.

وحين جاء يوم الرحيل، لم يفترقا. استشهدا كما عاشا: كتفًا إلى كتف، كأن الموت نفسه لم يستطع أن يفصل بين روحيهما. عندها، قال الرئيس نبيه بري كلمته التي اختصرت المعنى كلّه، وجعلت من الفقد حدثًا وطنيًا يتجاوز الحزن إلى المسؤولية:
«الآن استُشهد نصف الجنوب… وعلى النصف الآخر إكمالُ التحرير.»

لم تكن العبارة توصيفًا عاطفيًا، بل قراءة فلسفية عميقة لمعنى الشهادة. فمحمد سعد وخليل جرادي لم يكونا رجلين عاديين في زمنٍ عادي، بل كانا تجسيدًا لمرحلة كاملة من الصبر والمواجهة. في نعيه لهما، رأى فيهما الرئيس بري صورة الجنوب المقاوم، وامتداد مشروع الإمام الصدر، وتجسيد فكرة أن القيادة الحقيقية هي تلك التي تمشي أمام الناس لا فوق رؤوسهم.

عن محمد سعد، كان الحديث عن عقلٍ استثنائي وهدوءٍ يسبق العاصفة، عن رجلٍ يعرف متى يصمت ليصغي، ومتى يتكلم ليحسم، ومتى يتحرك ليصنع الفرق. وعن خليل جرادي، كان الحديث عن شجاعة نادرة، وعن قلبٍ لا يعرف المساومة، وعن مقاتلٍ يرى في الشهادة اكتمال الإيمان لا نهايته. جمعتهما خصال متكاملة: حكمة الأول واندفاع الثاني، فكانا معًا معادلة التوازن بين العقل والنار.

في كلماته، لم يرثِ الرئيس بري رجلين فقط، بل نعى مرحلة من أنقى مراحل المقاومة، وألقى في وجه الجنوب تحدّي الاستمرار. كأنما أراد أن يقول إن الشهادة ليست محطة بكاء، بل نقطة انطلاق جديدة، وإن الدم الذي سُكب على تراب الجنوب لم يكن ليُغلق الدرب، بل ليفتحه على اتساعه.

وهكذا، تحوّل محمد سعد وخليل جرادي إلى رمزين يتجاوزان الجغرافيا والزمن. صارا ذاكرة تمشي، ووصيّة تتردّد، وبوصلة تشير دائمًا إلى جهة الحق. ومن يومها، لم يعد الجنوب نصفين؛ صار كله مسؤولية، وكله طريقًا نحو التحرير، وكله صلاة مفتوحة على أسماء الشهداء

شاهد أيضاً

الحرب العبثية الأمريكية الصهيونية على دول الخليج وايران.

عبدالعزيز بن علي السعدون – مسقط التصريح الأخيرة لترمب بإعادة إيران وحضارتها إلى العصر الحجري، …