الزمن: لصٌّ مهذّب يسرقنا دون أن نشعر

بقلم: أمين السكافي

الزمن ليس عدوًّا يهاجمنا بصخب، ولا وحشًا يقتحم أبوابنا بعنف… الزمن أدهى من ذلك بكثير.
إنه لصٌّ مهذّب، يدخل بلا استئذان، يبتسم في وجوهنا، يربّت على أكتافنا، ويتركنا نظنّ أنه صديق الطريق… ثم يسرقنا، قطعةً قطعة، دون أن نشعر.

نستيقظ صباحًا فنظنّ أن اليوم يشبه الأمس، وأن العمر ما زال طويلًا، وأن الأحلام تنتظر دورها. نُؤجّل، نُراكم، نُطمئن أنفسنا بكلمة “لاحقًا”.
لاحقًا سأحب أكثر…
لاحقًا سأعتذر…
لاحقًا سأزور أمي…
لاحقًا سأصلح ما تهدّم في صدري…
لاحقًا سأصير أنا…
ثم يأتي الزمن، بوقاره المعتاد، ويبتسم ابتسامةً باردة كحكمةٍ قاسية، ويقول في سرّه: “سنرى.”

لا يسرق الزمن الأشياء الكبيرة دفعة واحدة، بل يسرقنا على هيئة تفاصيل صغيرة لا نخافها:
يسرق ضحكةً كانت تملأ البيت، فتغدو نادرة.
يسرق وجهًا كان يضيء صباحنا، فيتحول إلى صورة على الحائط.
يسرق قدرةً كانت في الجسد، فتغدو ذكرى.
يسرق أحبابًا كنا نظنهم دائمين، فيأخذهم واحدًا واحدًا، حتى يصبح الغياب أثقل من الحضور.

والأعجب… أننا لا ننتبه أثناء السرقة.
نحن منشغلون: نعمل، نركض، نتخاصم، نثبت ذواتنا، نجمع المال، نطلب الاعتراف، نُطارد مجدًا هشًّا. بينما الزمن يمرّ كنسمةٍ لا تُرى، لكنه يترك على الروح آثارًا لا تُمحى.

وحين نلتفت فجأةً، نكتشف أننا كبرنا.
نكتشف أن أعمارنا ليست سنوات، بل مواقف:
موقفٌ لم نُحسن فيه الكلام فخسرنا إنسانًا.
وموقفٌ لم نُحسن فيه الصمت فجرحنا قلبًا.
وموقفٌ خذلنا فيه أنفسنا حين رضينا بالقليل من الحياة.
وموقفٌ لم نقل فيه “أحبك” لأن الكبرياء كان أعلى من القلب.

الزمن لا يقتلنا بالسيف… يقتلنا بالتدرّج.
يربّينا على الغفلة، ثم يفاجئنا بالحقيقة:
أننا لا نملك سوى اللحظة، وأن “بعد قليل” قد لا يأتي أبدًا.

ولأن الزمن لصٌّ مهذّب، فهو لا يترك خلفه ضجيجًا، بل يترك سؤالًا ثقيلًا:
ماذا فعلتَ بما سرقه منك؟
هل جعلت ما بقي أجمل؟
هل أصلحت ما أفسدته القسوة؟
هل سامحت؟ هل اعتذرت؟ هل عدت إلى الله؟
هل قلت للذين تحبهم إنك تحبهم قبل أن يتحول الحب إلى ندم؟

الزمن لا يمكن إيقافه، لكن يمكن هزيمته بطريقة واحدة:
أن نعيش بوعي.
أن نمنح الوقت معنى لا عادة.
أن لا نؤجّل الخير.
أن لا نؤجّل القلوب.
أن لا نؤجّل الله.

وفي النهاية…
ليس السؤال كم عشنا، بل كيف عشنا.
فالزمن سيواصل سرقته الهادئة، لكن السعيد من يسرق من الزمن شيئًا أيضًا:
لحظة صدق، لحظة توبة، لحظة حب، لحظة كرامة…
لعلها تكون أثمن من عمرٍ كامل مرّ دون أن نشعر

شاهد أيضاً

الحرب العبثية الأمريكية الصهيونية على دول الخليج وايران.

عبدالعزيز بن علي السعدون – مسقط التصريح الأخيرة لترمب بإعادة إيران وحضارتها إلى العصر الحجري، …