إدارة التناقضات: كيف تعيد الرياض صياغة نفوذها في حضرموت والمهرة؟

محمد علي اللوزي

يمكن قراءة التحركات السعودية في المناطق الشرقية من اليمن ضمن سياقٍ أوسع من السياسة التوسعية البراغماتية التي تنتهجها الرياض منذ عقود، لكنها اليوم تُعاد صياغتها بأدوات أكثر نعومة ودهاءً، تتكئ على القبيلة، والاقتصاد، والتناقضات الإقليمية، بدل الاكتفاء بالأدوات العسكرية المباشرة.
إذ تسعى السعودية، وفق هذا المنظور، إلى خلق تناغم مُصطنع مع القبائل في المحافظات الشرقية، مستفيدة من هشاشة الواقع المعيشي، وتآكل سلطة الدولة، وتنامي الشعور بالاستياء من الأدوار الإماراتية في الجنوب. هذا “التناغم” لا يقوم على شراكة حقيقية أو احترام متبادل، بقدر ما يقوم على إدارة المزاج العام القبلي وتوجيهه بما يخدم أهدافاً استراتيجية بعيدة المدى.
إن الخلاف غير المعلن بين السعودية والإمارات في الجغرافيا اليمنية أوجد فراغاً سياسياً ونفسياً في بعض المناطق، خصوصاً في الشرق. وقد أحسنت الرياض استثمار هذا التناقض، مقدِّمةً نفسها بوصفها الخيار الأقل استفزازاً أو الجار الممكن، في مقابل صورة الإمارات المرتبطة بالهيمنة المباشرة، والموانئ، والمليشيات المحلية.
لكن هذا التموضع السعودي ليس بريئاً؛ بل هو تكتيك مرحلي يهدف إلى كسب الوقت، وشراء الولاءات، وتهيئة الأرضية الاجتماعية لمشاريع أكبر.
والحقيقة ان منطقة الخراخير تكتسب أهمية استثنائية في هذا السياق. فالأحاديث عن توغل سعودي بعمق يصل إلى 30 كيلومتراً داخل الأراضي اليمنية لا يمكن فصلها عن الحلم السعودي القديم بالوصول إلى بحر العرب. هذا الحلم ليس جديداً، لكنه اليوم يُعاد إحياؤه تحت عناوين مختلفة، تأمين الحدود، دعم الاستقرار
ومكافحة التهريب.
بينما يكمن الهدف الحقيقي في تأمين ممر بري بحري لخط أنابيب نفط يحرر الصادرات السعودية من الارتهان لمضيق هرمز وبحر الخليج، ويمنح الرياض هامشاً استراتيجياً أوسع في سوق الطاقة العالمي.
ولهذا تعتمد السعودية على الإغراءات المالية، والمشاريع الخدمية المحدودة، والدعم المباشر لشخصيات قبلية مؤثرة. وفي ظل الفقر المدقع، وغياب الدولة، يصبح المال أداة فعّالة لاختراق النسيج الاجتماعي، حتى لو كان هذا الاختراق مؤقتاً أو هشّاً.
غير أن هذه السياسة تُنتج ولاءات ظرفية، لا جذور لها، سرعان ما تنقلب عند تغير موازين القوة أو توقف التدفقات المالية.
إن ما تبرهن عليه هذه التحركات، في جوهرها، أن السعودية لا تنظر إلى السلام بوصفه خياراً استراتيجياً ثابتاً، بل كمرحلة تكتيكية تُدار وفق المصالح. وهي، وإن تلونت بخطاب الجيرة، وارتدت رداء الإنسانية، لا تزال تتصرف بعقلية المجال الحيوي، لا بعقلية الدولة الجارة ذات المصالح المتوازنة.
فالسلام، في الرؤية السعودية، ليس إنهاءً للصراع بقدر ما هو إعادة ترتيبٍ له، وتخفيف كلفته، وتوجيهه بوسائل أقل صخباً وأكثر نفاذاً.

وهنا علينا القول: إن ما يجري في المناطق الشرقية، وخصوصاً في الخراخير، ليس حدثاً عابراً ولا استجابة إنسانية لظروف معيشية قاسية، بل هو فصل جديد من فصول التمدد الجيوسياسي، تُستخدم فيه القبيلة والاقتصاد والخلافات الإقليمية كأدوات تنفيذ.
لذلك يبقى الرهان على حسن الجوار السعودي دون ضمانات سيادية واضحة، ودون دولة يمنية قوية، يبقى رهاناً هشّاً، سرعان ما يتبدد أمام أول اختبار للمصالح الكبرى.

شاهد أيضاً

يومُ الغديرِ الأغرّ أسماءٌ ودلالاتٌ في الأرضِ والسماء

طوفان الجنيد. كما أوردنا لكم سابقًا، فإن يوم الغدير الأغر ليس مجرد حدثٍ تاريخيٍّ عابر …