ماذا يريد السوريون… بعيداً عن ضجيج المُطبّلين؟

د. بسّام أبو عبد الله – 6 كانون الأول/ديسمبر 2025

بعد عام على سقوط النظام السابق، يحتدم الجدل حول ما يريده السوريون حقاً، فيما تحاول أصوات كثيرة احتكار الحقيقة، بين مطبّلين يرفعون شعارات مجوّفة، وفرق سياسية تلتهمها رغبة تسجيل النقاط ، ومروّجين لروايات لا علاقة لها بما يشعر به الناس في الشوارع والبيوت والمخيّمات. لكن في 5 كانون الأول/ديسمبر 2025، نشرت مجلة فورين أفيرز الأميركية المرموقة واحدة من الدراسات الهامة جدا” حول الرأي العام السوري بعنوان :
What Syrians want

اعتماداً على أول مسح واسع أجراه الباروميتر العربي داخل البلاد بعد التغيير، وقد كتبه الباحثان سلمى الشامي ومايكل روبنز . هذه البيانات تعكس لأول مرة منذ سنوات طويلة، صوتاً حقيقياً للسوريين بعيداً عن الضجيج والبروباغندا، وشعارات من يحرر يقرر ، ودمشق لنا إلى يوم القيامة ، حيث تكشف صورة مختلفة تماماً عن تلك التي يرسمها المطبلون في السياسة والإعلام .

أولا” – تشير نتائج المسح إلى أنّ ٨٠٪ من السوريين يضعون الأمن والخدمات في رأس الأولويات ، متقدّمين على أي نقاش سياسي أو دستوري . فالمواطن يريد دولة توقف الفوضى ، تضبط السلاح ، تكافح الجريمة ، وتعيد الكهرباء والمياه والصحة والتعليم. إن السوريين يبحثون عن دولة تعمل ، لا عن دولة تخطب ، ويريدون استقراراً يومياً يمكن التنبؤ به بعد سنوات من الخوف والانقطاع والضياع.

ثانيا” – رغم الحاجة إلى دولة قوية، يرفض ٧٢٪ من السوريين العودة إلى نموذج السلطة الفردية أو إلى أجهزة القمع القديمة فالناس يريدون قوة الدولة… ولكن بضوابط القانون ورقابة المجتمع ، لا بقوانين الطوارئ الدائمة. يريدون مؤسسات محترفة ، ورئاسة واضحة ، ولكن دون تغوّل أو استبداد. وهذا يعني أن النموذج المطلوب اليوم هو دولة قوية لا دولة متوحشة.

ثالثا” – يتبيّن من بيانات المسح أنّ السوريين باتوا أكثر براغماتية في الاقتصاد. فقد عبّر نحو ٥٦٪ عن دعمهم لسياسات الانفتاح وتشجيع الاستثمارات الخارجية، ويرى أغلبهم أنّ القطاع الخاص قادر على تحريك عجلة الإعمار أسرع من القطاع العام الذي ارتبط في الذاكرة بالفساد والمحسوبية. السوريون يريدون حلولاً ملموسة ، ويريدون أن يروا فرقاً في معيشتهم خلال أشهر، لا أن ينتظروا سنوات تحت شعارات اقتصادية فضفاضة.

رابعا” – يطالب السوريون بالعدالة ، لكن دون الانزلاق نحو الثأر أو تصفية الحسابات. وتُظهر النتائج ميلاً واضحاً لعدالة انتقالية تدريجية، تقوم على كشف الحقيقة، وإصلاح المؤسسات، والمحاسبة المنضبطة. المهم بالنسبة للناس أن تبني العدالة دولة جديدة، لا أن تفتح الباب لجولة جديدة من الصراعات أو الشروخ الاجتماعية.

خامسا” – تظهر البيانات أنّ الهوية الوطنية السورية تعود بقوة، حيث يعرّف ثلاثة أرباع السوريين أنفسهم أولاً كـ“سوريين” لا كطوائف أو أعراق. وترفض الأغلبية فكرة المحاصصة الطائفية أو الإثنية، وترفض مشاريع التقسيم أو إعادة إنتاج الهويات الضيقة. السوريون يريدون دولة مدنية وطنية، تحترم التنوّع، ولكن لا تسمح بتحويله إلى سلاح سياسي بيد أي جهة.

سادسا” – تكشف الأرقام عن فجوة كبيرة في الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة ، القديمة والجديدة، فالمواطن السوري يريد شفافية، مكافحة فساد، مؤسسات مهنية، ومسؤولين يدركون معنى الخدمة العامة. فغياب الثقة هو التحدّي الأكبر أمام أي حكومة انتقالية، لأن إعادة بنائها تحتاج إلى أداء حقيقي ، لا إلى خطابات أو وعود.

سابعا” – تظهر النتائج أنّ توقّعات السوريين أعلى بكثير من قدرة الدولة الحالية. فالناس يريدون نتائج سريعة، في الأمن والاقتصاد والمعيشة. وأي حكومة لا تقدّم حلولاً ملموسة ستخسر رصيدها الشعبي بسرعة غير مسبوقة، خصوصاً بعد سنوات من الخيبات.

ثامنا” – يتضح من قراءة متكاملة للبيانات أنّ السوريين تجاوزوا أجواء الشحن ، وصراعات الهوية الفرعية ، والحملات المذهبية المريضة التي غذّتها سنوات الحرب. يريدون مستقبلاً مشتركاً، ودولة وطنية جامعة، ويرفضون لغة السحق والإلغاء والاستقطاب التي حاول كثيرون الحفاظ عليها لأنها مصدر قوتهم الوحيد.

تاسعا” – و أخيرا” – تقول لنا هذه الدراسة—المنشورة في مجلة فورين أفيرز، وهي من أهم المنابر الفكرية في العالم—إنّ السوريين اليوم يريدون : أمن وخدمات أولاً، دولة قوية غير قمعية ، اقتصاداً منفتحاً وفعّالاً ، عدالة بلا انتقام ، وهوية وطنية جامعة فوق الهويات الأخرى. لقد قال السوريون كلمتهم بوضوح، وكسروا احتكار الخطاب الذي مارسه المتطرفون والمتحزّبون والمطبّلون.

ويبقى السؤال: هل تتمكن النخب السياسية والحكومة الانتقالية من قراءة هذه الرسالة كما هي، بعيداً عن الضجيج والغرائز، وبعيداً عن الاستقطاب الذي دمّر البلاد؟ السوريون يتطلّعون إلى المستقبل، ويريدون بناء دولة قادرة على جمعهم، لا إعادة إنتاج ماضي الانقسام. والمسؤولية اليوم على الجميع كي يثبتوا أنهم بمستوى هذه اللحظة التاريخية.

شاهد أيضاً

سردية “القدس” بين توظيف الشعارات وحقيقة المواجهة: قراءة في راهن الصراع.

🖋️ رضوان حسين وعيل مقدمة تعيش المنطقة في هذه الأيام مرحلة مفصلية من تاريخ الصراع …