ماذا فعَلت هالة الوردي في” آخِر أيام محمّد”؟

 

شخصيات ومواقف كأنها من عالم ميكيافيللي!


عبد الغني طليس

التشكيك. التشكيك. التشكيك. لا شيء آخَر غير التشكيك. وإذا كان الشك سبيلاً إلى اليقين في العلْم والمعرفة والفكر، فإنه في كتاب هالة الوردي”آخِر أيام محمّد” شك في سبيل الشك، من دون القطع بأي يقين، لا في مسائل الايمان والدين الإسلامي الكبرى، بل حتى في وقائعه وأحداثه وشخصياته. و “الروايات” الواردة فيه عن الجميع: محمّد وأبو بكر وعمر بن الخطاب وعلي( لا وجود لعثمان بن عفان إلا طرفة عين) وعائشة وفاطمة وأبو عبيدة بن الجرّاح والزبير بن العوّام ومعهم كل الصحابة الواردة أسماؤهم ومواقفهم في الكتاب..جميعاً بأشخاصهم وسلوكهم ومواقفهم وطبيعتهم النفسية عُرْضة لتلميحات وتصريحات ، مبطّنة ومكشوفة علناً، تشوّش صورتهم أكثر مما توضحها، وتكاد تعدمهم بالتفاصيل الملتبسة، وتعدم الدين الإسلامي برمّته…

حتى الخلاصة التي تكوّنت لدى مونتغمري واط في كتابه محمّد بأنه “رجل دولة وشخصية تاريخية”، تكاد هالة الوردي تمحوها، ليظهر محمّد في آخر أيامه وسنواته، بل ما قبل ذلك بكثير، متردّداً مستنداً إلى الآخرين حوله ليس في ما يجري “على الأرض” بينهم، بل حتى في نزول الوحي.. وتجعل من أحد الصحابة في أسئلته للرسول، واستفهاماته، واعتراضاته أيضاً، سبباً في نزول آيات قرآنية، في موضوع هنا، وقضية هناك، وفكرة هنالك !

والغريب أن هالة الوردي في كل ظنونها حيال الشخصيات المطروحة، وغَمْزِها من قناة هذا وذاك وتلك، لا تقول رأياً يمكن استنتاجه بعقلها، بل تكتفي بعَرض وقائع منشورة في كتب المؤرخين على اختلاف نوازعهم وميولهم، سنّة وشيعة، عن أيام محمد، وعما بعده وصولاً إلى العباسيين مروراً بالأمويين، كما وردت في تلك الكتب سواء الموصومة بالمبالغة، أو بالدقة. ونادراً ما تؤكد على واقعة، بالمنطق الذي عندها، وبتحليلها، إذا كانت مثبتة، بقدْر ما ترسم عليها ضبابية إضافية.

تقول هالة الوردي إنها أرادت نزع القداسة عن”الجميع” لتتسنى لها رؤية الأشخاص والأمور من دون خلفيات ما ورائية. لكنها وصلت إلى نهاية كتابها مدجّجة بأسئلة أكبر وأخطر عن عدم القداسة. كأنها كانت تتخلّى عن المقدّس لإدراك حقائق مرحلة بكامل رموزها، فوجدت نفسها ووجدناها تتحرك تحت هذا الهدف بغير هُدى يبُتّ في ما تعرض، هل اقتنعت أم لا؟ كله احتمالات، وتأويلات، وتصنيفات، كأن النظرة العلْمية هي لتهديم شيء بلا هوادة من دون الوصول إلى إدراك حقيقة ما.

كتُب المؤرخين، بتناقضاتها وتعويذاتها الخاصة، وبالصحيح والمغلوط، وبالمسنَد والمبَدَّد، وبالكبير والصغيرة، وبالكلّي والجزئي.. توردها هالة الوردي وتُجري لها سياقاً يحاول ربطها ببعضها، لإضفاء بُعد روائي على “آخر أيام محمّد”… لكنها تبدو روايات نميمة أكثر منها روايات دلالة على بُعد فكري تحليلي!

يستطيع قاريء كتاب الوردي أن “يستمتع” بتلك النميمة المسيطرة على الصفحات، فالشخصيات كلها بلا استثناء هوايتها النميمة، على بعضها بعضاً، دون توقّف. فالنصيحة تُروى كنميمة، والرأي يُعطى كنميمة، ووصفُ طبيعةِ كل شخصية يُحكى بالنميمة.

كراهية. وأحقاد. ومكائد. وهوس بالجنس ومقتضياته. وهذا يغدر حين يقدر، وذاك يفجُر حين يتمكن، وتلك تعبث حين يخلو لها الجوّ، وهاتيك مجهولة النسب الصحيح، وهكذا… لتكتشف بانتهاء صفحات الكتاب أنك لا قرأت عن إسلام الرسالة، ولا عن نبي وأصحابه وأهل بيته ومؤمنين ومُشرِكين، وإنما قرأت حكاية ضائعة من تراث ميكيافيللي!

شاهد أيضاً

[ المرجع شرف الدين يوضح معاناة جنوب لبنان من العدو منذ سنة 1948 ]

بسمه تعالى من رسالة لأبرز آباء المقا. ومة المرجع الراحل الامام السيد عبد الحسين شرف …