بقلم : فاطمة يوسف بصل
في اللحظات التي يتقلّص فيها الوطن كجسدٍ مُنهَك، وفي الساعات التي يعبر فيها الليل فوق الأعناق كحدّ السيوف، يتكشّف كل شيء:
من الذي يحمل الوطن كجرح… ومن يحمله كبضاعة.
من الذي يحرس النور… ومن يتخفّى خلف الظلال ليطعن من الخلف.
هناك، في مفاصل هذا الوقت المشقوق بين اليقين والريبة، تنشأ نافذة صغيرة اسمها الشكّ؛
نافذة لا تحتاج إلى أكثر من نسمةٍ ضالة لتتحوّل إلى عاصفة،
ولا تحتاج إلا إلى غفلة واحدة لتصبح ثقبا في جدار الأمة،
ومن الثقوب تبدأ الهزائم دائمًا… لا من السيوف.
أغلقوا تلك النافذة…
بل شيّعوا جنازتها،
وادرأوا عنها الريح كما تُدرأ النار عن قلوب الأطفال.
فالشكّ لصّ خبير، يدخل خفيفًا فلا نشعر به،
ثم يسرق من قلوبنا ما لا تسرقه الحروب:
الثقة، الأمان، والأخوّة التي بها تُبنى الأوطان قبل أن تُبنى المدن.
اتحدوا…
ليس كصفٍّ من الأجساد، بل كنبضٍ واحد،
كشجرة تسند أغصانها بعضها، فتصمد أمام إعصار لا قبل لها به منفردة.
فالذي يفرّقنا ليس العدو… بل الخوف.
والذي يهزمنا ليس السلاح… بل الظنون التي تتربّى في زوايا الروح حين تغفل الحراسة.
في زمنٍ صار فيه بيع الموقف أبخس من بيع الخبز،
وفي زمنٍ تُنحر فيه القيم على مذابح المصالح،
تصبح الوحدة ليست شعارًا… بل معركة يومية.
تصبح كلمة “نحن” سلاحًا،
وتصبح كلمة “أنا” خنجراً إذا لم نحسن حملها.
إنه صبر ساعة…
لكنه صبرٌ لا يشبه الساعات المعتادة.
إنها ساعةٌ تنضج فيها القلوب على جمر الابتلاء،
ساعةٌ يُغسَل فيها الذهب في ماء النار،
ويتبيّن فيها الصادق من الملتبس،
والثابت من ذاك الذي يغير لون قلبه كما تغير الحرب لون السماء.
كونوا الجدار الذي يستند إليه المتعب،
واليد التي تمسح الخوف عن جبين أخيها،
كونوا الصرخة التي تردّع الفتنة،
لا الهمس الذي يُنعشها ويمنحها أجنحة.
لا تزحزحكم ريح،
ولا تندسّ بينكم لغةٌ تصنع مسافة،
فالمسافة بين قلبين هزيمة،
وبين كفتين فراغ،
وبين أبناء الوطن صدعٌ يبتسم له العدوّ ابتسامة المنتظر.
لا تمنحوه تلك الابتسامة.
لا تسمحوا له بأن يقرأ في عيونكم ارتباكًا،
ولا في خطواتكم شرخًا،
ولا في أصواتكم ارتعاشًا.
فالعدوّ لا يربح بقوته… بل بضعفنا حين نستسلم للظنون،
ولا ينتصر بمدافعه… بل حين يرى أننا نطلق النار على بعضنا بشكلٍ ألعن من مدافعه.
أطفئوا نار الشك قبل أن تصبح غابةً من اللهيب،
واردموا هوّته قبل أن تبتلع أسماءكم،
فالوطن ليس أرضًا فقط… الوطن صدرٌ يتّسع أو يضيق بمقدار ما نحمله من نخوة.
واعلموا…
أن التاريخ لا يكتبه الأقوياء فقط،
بل يكتبه الذين اتحدوا ساعة الانكسار،
وشدّوا السور حين ظنّ الجميع أن السور سيسقط.
كونوا هذا السور.
كونوا هذا القلب.
القلب الذي لا تخدشه ريح،
ولا تخدّره الإشاعات،
ولا يُعاد تشكيله بيد العدو كما يُعاد تشكيل الطين.
كونوا قلبًا واحدًا…
لأن القلوب حين تتفرّق تصبح سهامًا على نفسها،
وحين تتوحد… تصبح حصنًا لا تستبيحه جيوش الأرض.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
