إعداد وحوار جيهان دلول ..
في رحاب الفكر حيث تتقاطع مسارات الدين بالسياسة، والروح بالمعرفة، يطلّ علينا اسمٌ نسائيّ استثنائيّ حمل قلمه كما يحمل القلب رسالته. دكتورةٌ لم تكتفِ بالقراءة في مظلومية أهل البيت عليهم السلام لتعيد سرد الحكاية، بل غاصت في عمق الوعي، محللةً النصوص، ومضيئةً على زوايا غُيّبت عن الأذهان. هي التي استقرأت النموذج الإداري للإمام علي عليه السلام، لا كتاريخٍ مضى، بل كمرآة تعكس حاجات واقعنا المعاصر.
كتبت في الفكر السياسي والديني والعلمي، وفتحت نوافذ التحليل على خطابات القادة، لتبيّن أن الكلمة ليست صدىً، بل مشروع وعي ومسار أمّة.
ولأنها ترى أن المرأة ليست ظلًّا في المشهد بل ركيزةً من ركائز البناء، تولّت مهمّة استشارية في مكتب رئاسة الجمهورية لشؤون المرأة – صنعاء، لتجمع بين الفكر والممارسة، وبين التنظير والتطبيق.
إنها شخصية تحمل في حضورها عمق الباحثة، وفي صوتها صدق المفكّرة، وفي كتاباتها مزيج الحكمة والإيمان، لتظلّ شاهدة على أن الكلمة حين تُصاغ بصدق، قادرة على أن تصنع طريقًا للأمم.

س 1 – حين تكتبي في مظلومية اهل البيت هل ترينها واقعة تاريخية فقط ام مشروع وعي متجدد يفرض نفسه على كل عصر
تُعدّ مظلومية أهل البيت (عليهم السلام) من أبرز الأحداث التي شكّلت الوعي الجمعي الإسلامي، لما انطوت عليه من أبعاد دينية، وسياسية، وأخلاقية. غير أن تناول هذه المظلومية لا ينبغي أن يُختزل في بعدها التاريخي فقط، بل يجب أن تُفهم باعتبارها مشروعًا متجددًا للوعي والنهضة، يتجاوز زمنه الخاص ليخاطب كل عصر بلغة التحديات التي يواجهها.لماذا؟
اولاً: مظلومية أهل البيت مثّلت ذروة الصراع بين الحق والسلطة، وظهرت بوصفها نتيجة مباشرة لتحوّل الخلافة من نظام رسالي إلى ملك عضوض، حيث تم تهميش القيم التي جاء بها الإسلام لصالح المصالح السياسية.
فواقعة كربلاء على سبيل المثال، لم تكن معركة عسكرية فقط، بل تحولًا مفصليًا في مسار الأمة، أبرزت التناقض بين ممارسات السلطة ومرجعية الإسلام الأخلاقية والروحية. وقد حمل الإمام الحسين (عليه السلام) في خروجه مشروعًا إصلاحيًا أعلن عنه بقوله: “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي.”فهذا البعد الإصلاحي يجعل من المظلومية لحظة وعي، لا لحظة ضعف، ويحوّلها من مأساة دموية إلى منطلق حضاري وقيمي.
ثانياً: تجدد مظلومية أهل البيت لا يعني تكرار سردها فحسب، بل إعادة قراءتها في ضوء الواقع المتغير. فهي تمثل نموذجًا إنسانيًا لمواجهة الظلم والانحراف، وتُقدم خطابًا يتفاعل مع كل زمن وفق احتياجاته.وفي هذا السياق، تتحوّل المظلومية إلى “مشروع وعي”، لأنها:
• تُحفّز الإنسان على مقاومة الطغيان بكل أشكاله.
• تدعو إلى الانتصار للقيم والمبادئ بدل الأشخاص.
• تُعلّم الأجيال أن الصمت أمام الباطل هو مساهمة في استمراره.
من هذا المنطلق، لا تُعتبر مظلومية أهل البيت حكرًا على طائفة أو مذهب، بل تُعدّ جزءًا من التراث الإنساني الأخلاقي العالمي، لما تحمله من دلالات تتقاطع مع قضايا الحرية، والعدالة، وكرامة الإنسان.
ثالثاً: إن اقتصار التعاطي مع مظلومية أهل البيت على البُعد العاطفي أو الشعائري، دون تفعيل بعدها الواعي، يُفقدها الكثير من تأثيرها الإصلاحي. فإحياء المظلومية ينبغي أن يرتبط بـإنتاج وعي نقدي يقرأ الواقع ويستنطق الماضي، ويسهم في صناعة مستقبل أكثر عدالة ووضوحًا في الموقف.ولذلك، فإن الخطاب المرتبط بهذه المظلومية لا بد أن ينتقل:
• من التلقين إلى الحوار.
• من الطقوس إلى القيم.
• من الحزن إلى الفعل.
وبهذا، يصبح إحياء مظلومية أهل البيت أداة مقاومة ثقافية وأخلاقية، ترفد الوعي المجتمعي وتُسهم في بناء أجيال أكثر إدراكًا للتاريخ، وأكثر قدرة على التمييز بين الانتماء الأصيل والانقياد الأعمى.
لذلك نقول إن مظلومية أهل البيت (عليهم السلام) لا تنتمي فقط إلى الذاكرة التاريخية، بل إلى الحاضر والمستقبل، بوصفها مشروعًا مفتوحًا للوعي والمراجعة والإصلاح. ولئن كانت الواقعة قد انتهت من الناحية الزمنية، فإن دلالاتها لا تزال قائمة، بل تُجدد حضورها في كل مرحلة تعاني فيها الأمة من الاستبداد أو الانحراف أو تغييب الوعي.
ومن هنا، فإن مسؤولية الباحث والمثقف والمُصلح ليست في إعادة سرد المظلومية فقط، بل في تفعيل أثرها الواعي في المجتمع، وتعزيز حضورها كمرجعية أخلاقية ونموذج إنساني عابر للزمان والمكان.
س 2- برأيك هل يمكن ان يتحول الالم التاريخي الى طاقة نهضوية تصنع مستقبل امة وكيف تقرئين هذه المعادلة
الأمم لا تنهض فقط بالرخاء، بل كثيرًا ما يكون الألم هو الذي يُشعل الشرارة الأولى في وعيها، ويدفعها إلى مراجعة الذات، وطرح الأسئلة الصعبة، وتجاوز حالة الركود. والسؤال الذي يفرض نفسه :
هل يمكن أن يتحوّل الألم التاريخي إلى طاقة نهضوية تصنع مستقبل الأمة؟
وما الشروط التي تسمح بتحقيق هذه المعادلة الدقيقة(الألم + الوعي = نهضة)؟
أولًا: تمتلك معظم الشعوب في ذاكرتها الجمعية محطات مؤلمة:
• هزائم سياسية.
• مظالم تاريخية.
• خيانات داخلية.
• مشاريع نهوض أُجهضت في مهدها.غير أن هذه الذكريات لا تؤدي دومًا إلى نتائج بنّاءة.فكثيرًا ما تتحوّل إلى حالة استنزاف نفسي وجمعي، تؤدي إلى جلد الذات، أو تكريس ثقافة الضحية، أو حتى انتاج عنف مضاد.
وفي المقابل، هناك أمثلة عديدة على شعوب حوّلت آلامها إلى أدوات لبناء وعي جديد ونهضة شاملة.والفرق هنا لا يصنعه الألم ذاته، بل كيفية قراءته واستثماره.
ثانيًا: لكي يتحول الألم من مجرد ذكرى إلى مشروع وعي وبناء، لا بد من توفّر عدة شروط:
1. تفكيك الألم لا تكراره بمعنى أن المأساة التي لا تُفهم جيدًا، يُعاد إنتاجها.
فالمطلوب ليس فقط رواية المظلومية، بل تحليلها، فهم سياقها، الكشف عن مسبباتها، والوعي بالعوامل التي أدّت إليها، لتجنّب تكرارها.
2. تحويل الذاكرة إلى مسؤولية لا بكائيات ,بمعنى لا يكفي أن نحزن على ما مضى، بل يجب أن نُحمّل أنفسنا مسؤولية الحاضر، ونسأل:
• هل نحن اليوم نُكرّر ما فعله من سبقونا من تخاذل وخيانة؟
• هل نحمي القيم التي مات من أجلها رجال التاريخ؟
3. فصل الشعائر عن الوعي : حين يطغى الشكل على الجوهر، تتحوّل الذكرى إلى عادة، لا إلى رسالة.هنا لا بد من استحضار الرموز التاريخية بوصفها نماذج فعلية للثبات، والعدل، والمقاومة، لا كأيقونات للعاطفة فقط.
4. توجيه الغضب لا تبديده: لماذا ؟ لأن الغضب المشروع الناتج عن الظلم يجب أن يُوظف في البناء:من خلال
• بناء خطاب واعٍ.
• مؤسسات حرة.
• حركات إصلاحية حقيقية.
هنا لا أن يُبدّد في نزاعات داخلية أو طائفية أو في اجترار الماضي دون أي خطة للمستقبل.
ومن أهم النماذج التي يمكن تحليلها في هذا الإطار: مظلومية أهل البيت (عليهم السلام).
هي من أعظم المآسي التي حملها التاريخ الإسلامي، لكنها – في جوهرها – ليست فقط مأساة، بل منجم للوعي.
فحين نفهم كربلاء كمشروع إصلاحي وليس فقط كواقعة دموية، نُدرك أن الإمام الحسين (ع) لم يمت، بل تجلّى في كل صرخة حق، وفي كل مقاومة ضد الظلم، في كل عصر.
إن استلهام مظلوميتهم لا يعني الاكتفاء بإحياء شعائري، بل:
• أن نُحيي فينا قدرتهم على قول “لا” في وجه الانحراف.
• وأن نستلهم وعي زينب في أحلك الظروف، لا مجرد صبرها.
وهكذا تتحوّل المظلومية من حدث حزين إلى بوصلة نهضوية.والسؤال
لماذا تفشل بعض الأمم في تحويل آلامها إلى نهضة؟
1. لأنها تعيش في الماضي أكثر مما تفكر في المستقبل.
2. لأنها تستهلك الألم عاطفيًا دون أن تُفككه نقديًا.
3. لأنها تُحيي الذكرى دون أن تستلهم منها الدرس.
4. لأنها تُوظف الوجع في صراعاتها الداخلية بدل أن تجعله نقطة توحّد.
نعم، يمكن للألم التاريخي أن يتحوّل إلى طاقة نهضوية، شرط أن يُقرأ بعين الوعي، لا بعين العاطفة فقط.
فالدماء التي سُفكت ظلمًا، إن لم تُوقظ الضمير، فسوف تبقى مجرد أرقام في كتب التاريخ.
لكن إن تحوّلت إلى بذور للكرامة، ومصادر للوعي، ودروس في الثبات، فإنها ستُثمر نهضة تصنع التاريخ، لا فقط تتفرّج عليه.وهكذا، تكون المعادلة واضحة:
الألم + الوعي = نهضة
الألم − الوعي = استنزاف وركود
س 3 – في قراءاتك للنموذج الإداري للإمام علي عليه السلام كيف يمكن استحضار ذلك النموذج في عالم معاصر تحكمه البيروقراطية والسلطة المادية؟
أولًا: ما هو جوهر النموذج الإداري للإمام علي (عليه السلام)؟
عندما نتحدث عن “النموذج الإداري للإمام علي عليه السلام”، فنحن لا نقصد فقط القرارات السياسية أو التنظيم الإداري في خلافته، بل المنظومة الأخلاقية والإدارية المتكاملة التي تميّزت بالاتي:
1. المركزية الأخلاقية في الإدارة:
الإدارة عند الإمام علي عليه السلام ليست سلطة، بل أمانة ومسؤولية، وهو القائل:”إن عملك ليس لك بطعمة، ولكنه في عنقك أمانة.”
2. تقديم الإنسان على النظام:
البيروقراطية الحديثة تميل إلى تهميش الفرد لصالح المؤسسة. أما الإمام علي (ع)، فكان يرى أن العدالة هي قلب الإدارة، وأن الإنسان هو الهدف لا الوسيلة.
3. مكافحة الفساد الإداري والمالي:
كان حازمًا إلى أقصى درجة في محاسبة عمّاله (كما في عزله لـ”عثمان بن حنيف” أو “المنذر بن الجارود”)، وكان يرفض أي تهاون في المال العام:”والله لو وجدته قد تزوّج به النساء، وملك به الإماء، لرددته.”
4. اللامساومة على القيم مقابل المصلحة:
لم يقبل الإمام علي عليه السلام أن يدفع ثمن الاستقرار السياسي تنازلات أخلاقية، ولذلك خسر التحالفات لكنه حفظ الشرعية الأخلاقية للإدارة.
ثانيًا: كيف نقرأ هذا النموذج في سياق العالم المعاصر؟
نحن نعيش في عالم تحكمه:
• مؤسسات بيروقراطية ضخمة.
• منظومات سياسية واقتصادية تهيمن فيها المادة.
• تقدّم التكنولوجيا على حساب الإنسان.
ورغم ذلك، فإن نموذج الإمام علي الإداري لا يُستبعد، بل يُستلهم، لأنه يقوم على مبادئ عابرة للزمن يمكن إعادة صياغتها في الواقع الحالي، بشرط:
1. تجريد المبادئ من الظرف التاريخي، وتحويلها إلى قيم إدارية.
2. إنتاج سياسات معاصرة بروح تلك المبادئ.
ثالثًا: كيف يمكن استحضار هذا النموذج اليوم؟
1. إعادة مركزية العدالة في المنظومة الإدارية, حيث نجد في الأنظمة الحديثة، أن العدالة تُفهم غالبًا من زاوية “القانون”، لا من زاوية “الإنصاف”.وهنا النموذج العلوي يقدّم فهمًا أوسع:
• أن تكون العدالة روح القانون لا فقط نصه.
• أن يُعامل المواطن لا كرقم في نظام إداري، بل كـ”إنسان له كرامة”.
2. تحويل الرقابة من شكلية إلى جوهرية ,فقد كان الإمام علي (ع) يراقب عمّاله عبر شبكة قيمية وبشرية حية، لا فقط من خلال تقارير مكتوبة.
اليوم يمكن تطبيق ذلك عبر:
• تعزيز ثقافة المحاسبة الأخلاقية داخل المؤسسات.
• تمكين الإعلام، والمجتمع المدني، ومكاتب التفتيش من أداء أدوار رقابية فاعلة.
3. بناء ثقافة المسؤولية لا ثقافة الامتياز: حيث نجد في الإدارة الحديثة، أن المناصب كثيرًا ما تُفهم على أنها امتياز اجتماعي.
أما عند الإمام علي عليه السلام قال “وإن أفضل قرّة عين للولاة استقامة العدل في البلاد، وظهور مودة الرعية.”أي أن المنصب هو مسؤولية أخلاقية واجتماعية، وليس وسيلة للتربح أو الاستعلاء.
4. إحياء النموذج القيمي في القيادة فإن أحد أعظم أزمات الإدارة المعاصرة أنها تفصل بين الكفاءة والقيم.وعند الإمام علي عليه السلام كان يشترط في القائد:
• الخبرة والكفاءة.
• العدالة والنزاهة.
قال الامام (ع) لمالك الأشتر: “ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارًا، ولا تولّهم محاباةً أو أثرَة، فإنهم جماع من شعب الجور والخيانة.”ماذا يعنى ؟
هذا يعني أن معيار التوظيف في المؤسسات يجب أن يكون مزدوجًا:كفاءة + أمانة، وليس الولاء السياسي أو التزكية الشخصية.
لذلك النموذج الإداري للإمام علي (عليه السلام) ليس “حالة تاريخية مغلقة”، بل مشروع مفتوح للقراءة والتفعيل.ورغم تعقيدات الدولة الحديثة وتشابكها، فإن ما يحتاجه العالم اليوم ليس فقط نظامًا محكمًا، بل ضميرًا يقظًا.
إن استحضار تجربة الامام عليّ (ع) لا تعني نسخ تفاصيلها، بل يعني أن نعيد طرح هذا السؤال الكبير في كل مؤسسة:”هل نحكم بعدل؟ وهل نُدير بقيم؟ وهل نضع الإنسان في صلب القرار؟”
فنحن أقرب إلى الامام عليّ (عليه السلام) من كثيرٍ ممن يرفعون اسمه ولا يعملون بروحه.
س 4 – عند تحليلك لخطابات السيد حسن نصر الله مالذي يشدك اكثر :البنية اللغوية ام قوة الفكرة ؟ وهل ترين أن الخطاب السياسي يمكن أن يتحول الى نص فلسفي؟
سؤال مهم وعميق، ويأخذنا إلى تقاطع بين البلاغة والفكر في الخطاب السياسي.
فما يشدني أكثر في خطابات سيد شهداء القدس السيد حسن نصر الله هي البنية اللغوية وقوة الفكرة؟ فكلاهما حاضر بقوة، لكن إن أردنا تمييز العنصر الذي يشد أكثر، فالجواب يعتمد على زاويتين:
1. من حيث التأثير الجماهيري:
البنية اللغوية تُشكل الوعاء الذي تُقدَّم فيه الفكرة، وهي هنا ليست حيادية. السيد نصر الله يوظف لغة عربية فصيحة، لكنها ليست متعالية على الجمهور، مع حضور واضح للهجة اللبنانية أحيانًا لكسر الحاجز العاطفي، مما يجعل الخطاب أقرب إلى الناس.
هذا يخلق قوة إقناعية عالية، فالبنية اللغوية مدروسة بعناية بمعنى من الإيقاع، إلى التكرار، إلى بناء الجملة.
2. من حيث التحليل المعرفي والنقدي:
قوة الفكرة هي ما يفرض نفسه في النهاية. خطابات السيد نصر الله لا تنقل موقفًا سياسيًا فقط، بل تحمل بُعدًا فكريًا ومفاهيميًا، خصوصًا في الملفات الكبرى: المقاومة، الصراع مع إسرائيل، استقلال القرار، بناء الدولة، وحتى العلاقة بين الدين والسياسة.
لذلك الجواب : قوة الفكرة هي الأساس، لكن البنية اللغوية هي التي تعطيها مداها ووقعها. في حالة شهيد القدس السيد حسن نصر الله، فالاثنان في تناغم قلّما نجده.عند غيره
ثانيًا: هل يمكن أن يتحول الخطاب السياسي إلى نص فلسفي؟ نعم، ولكن بشروط.
وما يجعل الخطاب السياسي يتحول إلى نص فلسفي هو:
1. تجاوز اللحظة الآنية:
الخطاب لا يتحدث فقط عن حدث، بل يستثمره ليطرح أسئلة وجودية أو مبدئية (عن السلطة، الحرية، الكرامة، العدالة…).
2. الاشتغال على المفاهيم:
عندما يبدأ الخطاب في تأصيل المفاهيم، أو مساءلتها، فإنه يخرج من دائرة السياسي اليومي إلى فضاء الفلسفة.
3. التأسيس لرؤية كونية أو إنسانية:
بمعنى حين يصبح الخطاب مدخلًا لفهم العالم، أو لتحليل الصراعات بمعايير أخلاقية أو أنطولوجية، فإنه يتحول إلى نص يحمل طابعًا فلسفيًا.
ونرى ذلك في خطابات نصر الله خصوصًا حين يتناول مفاهيم مثل:
• “الكرامة” مقابل “الاستسلام”
• “السيادة” بمعناها الوجودي
• “المقاومة” كقيمة مطلقة تتجاوز الجغرافيا
في هذه اللحظات، لا يعود الخطاب مجرد إعلان موقف، بل يصبح تأملًا في العالم من موقعٍ أخلاقي ومعرفي.
لذلك نجد أن خطاب السيد حسن نصر الله يتمتع بقوة لغوية وشحنة فكرية تجعل منه ظاهرة خطابية تستحق التأمل، ليس فقط سياسيًا، بل أدبيًا وفلسفيًا.وبالتالي حين يتجاوز الخطاب الظرف السياسي ليطرح رؤية عن الإنسان والوجود والمصير، يمكننا القول: نعم، الخطاب السياسي قد يصبح نصًا فلسفيًا.
اما كيف يمكن للخطاب أن يكون أداة مقاومة بحد ذاته، بعيدًا عن السلاح؟
الخطاب ليس فقط أداة تعبير، بل هو فعل سياسي وثقافي يمكن أن يقاوم، يحرض، يرفض، ويؤسس لهويات وصراعات. يمكن أن يكون أداة مقاومة من خلال عدّة أبعاد:
1. – المقاومة ليست فقط صراعًا ماديًا، بل أيضًا صراع على المعنى. الخطاب المقاوم يعيد تعريف:
• من هو العدو؟
• من هو الشهيد؟
• ما معنى الكرامة؟
• ما هو الاحتلال؟ ما هو التحرير؟
وعندما يُنتج الخطاب هذه المفاهيم، يصبح سلاحًا ثقافيًا يعبّئ الناس ويحميهم من الاختراق النفسي.مثال: “نحن نستشهد ننتصر— هذا خطاب مقاوم يعيد صياغة النصر والهزيمة بشكل يُحصّن النفس من الانكسار.
2. الخطاب القوي لا يُقنع فقط، بل يُحشد. يوحّد الناس حول فكرة، حول هوية، حول عدو مشترك، حول مشروع.كل حركات التحرر الكبرى امتلكت خطابًا تعبويًا قويًا، من جيفارا إلى مانديلا، إلى فيتنام، إلى فلسطين.
3. الخطاب المقاوم يشتبك مع الخطاب الرسمي أو العالمي المهيمن (الذي قد يشرعن الاستعمار، القمع، الهيمنة)
بمعنى آخر، هو مقاومة لغوية وثقافية ومعرفية لخطاب القوة.
مثال:
تسمية ما تفعله إسرائيل “احتلالًا” بدل “نزاع”، أو “مجزرة” بدل “عملية عسكرية”.
4. بناء الذاكرة الجمعية:بمعنى أن الخطاب يوثق، يروي، يسرد القصة من وجهة نظر الضحية لا الجلاد.وبهذا يصنع تاريخًا بديلًا، يحفظ التجربة ويمنع طمسها أو تحويرها.
لكن السؤال : متى يفشل الخطاب في لعب هذا الدور المقاوم؟
1. عند انفصاله عن الواقع: بمعنى إذا كان الخطاب منفصلًا عن معاناة الناس، إذا بدا نخبويًا، شعاراتيًا، مفرغًا من الفعل، فإنه يتحول إلى ضجيج لا طائل منه.ولذلك الناس لا تؤمن بخطاب لا يعكس حياتها ولا يقدّم لها شيئًا.
2. تكرار الخطاب دون تجديد:بمعنى عندما يصبح الخطاب مستهلكًا، آليًا، غير قادر على مفاجأة العدو أو إلهام الحلفاء، يفقد مفعوله التعبوي.
3. تناقض الخطاب مع الممارسة:بمعنى حين يرفع الخطاب شعارات المقاومة والعدالة، لكن الواقع يُظهر فسادًا، قمعًا، أو تسويات مهينة، يصبح الخطاب أداة تزييف لا مقاومة.
4. عدم قدرة الخطاب على مخاطبة الآخر:بمعنى عندما يكون الخطاب المقاوم لا يجب أن يكون موجّهًا فقط للداخل، بل أيضًا للعالم، للخصم، للرأي العام. إذا فشل في ذلك، فإن العدو ينجح في احتكار رواية الصراع.
لذلك فإن الخطاب يمكن أن يكون سلاحًا حقيقيًا للمقاومة، بشرط أن يكون:
• صادقًا ومرتبطًا بالواقع
• قادرًا على إعادة إنتاج المعنى
• يحشد الناس لا ينفّرهم
• ويصمد أمام الاختبار الأخلاقي والعملي
وعندما يفقد هذه الخصائص، يتحوّل إلى قشرة صوتية لا تصمد أمام رياح الهزيمة.
سؤال هل تعتقدين ان الفكر السياسي الاسلامي يملك ادوات كافية ليواكب التحديات العالمية ام يحتاج اعادة صياغة بلغة جديدة
الجواب هذا السؤال عميق جدًا، لأنه لا يتناول فقط “الفكر السياسي الإسلامي” كمجموعة من النصوص أو المفاهيم، بل كـ مشروع حيّ يُفترض أن يكون قادرًا على التفاعل مع زمن معقّد ومتغيّر.لذلك الجواب يكون من زاويتين:
أولًا: الفكر السياسي الإسلامي يمتلك أدوات كافية لمواكبة التحديات العالمية؟ ولكن مشروط.
كذلك يملك طاقة نظرية كبيرة. يكفي أن نتأمل مفاهيم مثل:
• العدل
• الشورى
• البيعة
• الأمة
• الخلافة
• السلطان
• الحسبة
• الجهاد
• المصلحة
• المقاصد
هذه المفاهيم، إذا فُهمت بروحها التاريخية وتطورت بأدوات معاصرة، فهي تُمكّن الفكر السياسي الإسلامي من تقديم رؤية بديلة للعالم، رؤية لها مرجعيتها الأخلاقية والروحية والسياسية.
ولكن هنا سؤال يفرض نفسه وهو هل تحتاج هذه المفاهيم إلى إعادة صياغة بلغة جديدة؟
الجواب: نعم.لماذا؟ لأن المشكل ليس في “نقص الأدوات”، بل في:
1. جمود اللغة والمفاهيم:
كثير من الطرح السياسي الإسلامي اليوم يكرر المصطلحات القديمة كما هي، دون تجديد دلالاتها أو تطويرها لمخاطبة الواقع العالمي.مثلاً: هل “الخلافة” تعني بالضبط ما كانت تعنيه في القرن الأول؟ أم يجب أن تُفهم كمفهوم رمزي أو تنظيمي جديد؟وهل “الشورى” مرادف للديمقراطية؟ أم أوسع؟ أم أضيق؟ كيف تُمارس؟
2– الخلط بين الدين والتاريخ:
بعض المفكرين الإسلاميين يعاملون التجربة السياسية الإسلامية القديمة كأنها نموذج كامل غير قابل للنقد، بدل أن يُعاملوا الإسلام كـ مرجعية مفتوحة تُلهم التفكير السياسي دون أن تحنّطه.
3- الافتقار إلى اجتهاد مؤسسي حديث:
فما نحتاجه ليس فقط “مفكرين” منفردين، بل مؤسسات تفكير إسلامية تُعيد قراءة النصوص، تُنتج المفاهيم، وتبني خطابًا يُخاطب العالم بلغة معاصرة.
4- التحدي العالمي الجديد:
نجد أن الفكر السياسي الإسلامي كثيرًا ما يشتبك مع قضايا مثل:
• الاستبداد المحلي
• الاحتلال
• الهوية
لكن العالم يطرح اليوم أسئلة جديدة:
• الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية
• العولمة الاقتصادية
• الانهيار البيئي
• تفكك الهويات
• انهيار معنى الدولة القومية
هذه الأسئلة تحتاج إلى لغة جديدة ومفاهيم جديدة حتى من داخل المرجعية الإسلامية.
ولكن ما المطلوب؟ المطلوب من وجهة نظري هو
• تجديد اللغة دون فقدان الجذور
• التفريق بين القيم والممارسات التاريخية
• إنتاج نظرية سياسية إسلامية معاصرة تُخاطب الواقع العالمي، لا تُردد فقط صدى الماضي
• بناء مشروع فكري متعدد التخصصات: يجمع بين ، الفلسفة، العلوم السياسية، والاجتماع
لذلك
الفكر السياسي الإسلامي لا تنقصه الطاقة، بل التجديد.
وهو قادر، إذا أُعيدت صياغته بلغة العصر، أن يقدم مساهمة فريدة في صياغة مستقبل بديل للعالم — مستقبل لا يُستنسخ من الغرب، ولا يُحبس في الماضي، بل يُولد من رحم هذه الأمة، بروحها وتحدياتها.وقيمها
سؤال : بصفتك مستشارة لشؤون المرأة مالذي تفتقده المرأة العربية اليوم, القوانين ام الفكرالثقافي ام الارادة الذاتية؟
هذا السؤال يمس جوهر معاناة المرأة العربية المعاصرة، لا من باب الضحية فقط، بل من باب الفاعلية المعطّلة أو المحاصرة.وبصفتي “مستشارة لشؤون المرأة” في هذا السياق النظري، يمكنني أن أقول:
المرأة العربية اليوم لا تفتقد شيئًا واحدًا… بل تعاني من تداخُل ثلاثة نواقص رئيسية:
القوانين، الفكر الثقافي، والإرادة الذاتية.
لكن بنسب متفاوتة حسب السياق (البلد، الطبقة، الدين، النخبة/ وغير ذلك )
والسؤال :
1. هل تفتقد المرأة العربية القوانين؟
✔ نعم، تفتقد المرأة العربية القوانين جزئيًا.
في كثير من الدول العربية، لا تزال هناك قوانين تمييزية صريحة في:
o قوانين الأحوال الشخصية (الزواج، الطلاق، الحضانة)
o قوانين الجنسية (عدم قدرة المرأة على منح جنسيتها لأطفالها)
o قوانين العمل (غياب حماية للأمهات، ضعف المساواة في الأجر)
o غياب قوانين فعّالة لحماية النساء من العنف الأسري أو التحرّش
بعض الدول قامت بإصلاحات، لكن القوانين وحدها لا تغير الواقع إذا لم تُفعّل وتُحترم.
إذن: جزء من المشكلة قانوني، لكنه ليس كل المشكلة.
2. هل المشكلة في الفكر الثقافي السائد؟
نعم
✔ بشكل كبير، وهذا هو الجذر الأعمق في أغلب الحالات. فالفكر السائد في بعض المجتمعات لا يزال:
• يرى المرأة ككائن ناقص الأهلية أو دوني المكانة
• يُحمّلها مسؤولية “الشرف” الجمعي
• يُعاقبها إذا تمردت، ويُكافئها إذا انصاعت
• يُصوّر الحرية بأنها تهديد للأسرة أو الدين
حتى لو تغير القانون، الفكر الثقافي المحافظ أو الذكوري قد يفرغه من مضمونه.
مثال: وجود قانون يُجرّم العنف لا يعني شيئًا إذا كانت الأسرة، والشرطة، والمجتمع يرون ضرب الزوجة “أمرًا عاديًا”.والسؤال
3. هل تفتقد المرأة الإرادة الذاتية؟
✔ نعم، في حالات معينة، ولكن لأسباب مفهومة.ولذلك لا يمكن لوم المرأة العربية بشكل مطلق على “سلبية” أو “ضعف إرادة”، لأن هذا:
• نتيجة تربية طويلة على الخضوع والطاعة
• خوف اجتماعي من النبذ إذا طالبت بحقوقها
• غياب نماذج ناجحة تحتذى
ببساطة: عدم توفر الأدوات (التعليم، الاستقلال المالي، الحماية القانونية)
لكن…في السنوات الأخيرة، شهدنا تصاعدًا هائلًا في إرادة التغيير عند كثير من النساء العربيات، خصوصًا في الأجيال الجديدة، على مستوى التعليم، العمل، الفن، النضال السياسي، وحتى المبادرات الريادية.
إذن: الإرادة الذاتية موجودة لكنها مقموعة أو مهددة أو محدودة بأطر قاسية.
إذًا من المسؤول الأول؟ إذا أردنا ترتيبًا دقيقًا، يمكن القول:
1. الفكر الثقافي
2. ضعف الإرادة الذاتية (كنتيجة له)
3. القوانين (الناقصة أو المعطلة) لأننا لو عرفنا الفكر نقول ان الفكر هو ما يشكّل الاثنين الآخرين. لأنه يبرّر القوانين التمييزية، ويُضعف الإرادة، ويمنع التمرد.
,كمستشارة لشؤون المرأة اقول :
• لا يكفي أن نُطالب بـ “حقوق المرأة” كشعارات عامة.
• المطلوب هو مشروع متكامل يبدأ من:
o تجديد الخطاب الثقافي والديني
o إصلاح تشريعي عميق وشامل
o تمكين فعلي للمرأة (تعليم، فرص، حماية، صوت)
والمهم: ألا ننتظر أن يأتي التغيير من “الدولة” أو “الرجل”، بل أن تُصنع نساء قادرات على أن يكنّ فاعلات لا مُستدرات للشفقة.
وهناك كثير من التجارب المعاصرة لدولة عربية في إصلاح أوضاع المرأة، وناخذ ايضاً الاستلهام من سيرة الزهراء عليها السلام، باعتبارها رمزًا روحيًا وفكريًا نسويًا عميقًا في التراث الإسلامي.
🔹 أولًا: دولة عربية قامت بإصلاحات حقيقية في مجال المرأة – تونس نموذجًا
تونس تُعد واحدة من الدول العربية التي شهدت إصلاحات متقدمة نسبيًا في قضايا المرأة، من حيث:
1. القانون:
• قانون الأحوال الشخصية (1956): من أقدم وأجرأ القوانين العربية، منع تعدد الزوجات، وفرض الطلاق القضائي فقط، لا الشفهي.
• المساواة في الميراث (مشروع 2018): رغم الجدل، كان خطوة تاريخية في إعادة النقاش حول الاجتهاد ومكانة المرأة.
• قانون مناهضة العنف ضد المرأة (2017): شامل ويعاقب العنف الجسدي والنفسي والجنسي، مع حماية قانونية قوية.
2. الحضور السياسي:
• تونس من الدول العربية التي وصلت فيها المرأة إلى مناصب وزارية، وإلى رئاسة البرلمان (نائبة رئيس البرلمان، ونسبة عالية من النساء في المجالس).
3. المجتمع المدني النسوي:
• من أنشط الحركات النسوية في الوطن العربي، وقادت معارك فكرية وتشريعية مهمة.
ومع ذلك، توجد تحديات قائمة:
• تفاوت بين التشريع والتطبيق
• فوارق بين المدن والمناطق الداخلية
• تأثير القوى المحافظة في التراجع أحيانًا
🔹 ثانيًا: الزهراء عليها السلام: من الرمز إلى الموقف
فاطمة الزهراء (عليها السلام) ليست فقط ابنة النبي (ص)، بل نموذج أنثوي سياسي وأخلاقي وروحي متكامل.ونربط الزهراء عليها السلام بإصلاح أوضاع المرأة اليوم:
✴ 1. الزهراء كامرأة حاضرة في الشأن العام:
• ألقت خطبة فدك الشهيرة في المسجد، أمام الصحابة، تدافع عن حقها السياسي والاقتصادي، وتنتقد النظام الذي نشأ بعد وفاة أبيها.(ص)
→ هذا يؤسس لمبدأ: حق المرأة في الخطاب، والمطالبة، ومواجهة السلطة.
✴️ 2. الزهراء كأم وزوج ومجاهدة:
• لم تكن فاطمة الزهراء عليها السلام محصورة في دور “البيت”، بل كانت فاعلة في البيت والمجتمع، وهنا تمثل المرأة المربية والمثقفة والمشاركة في الأحداث الكبرى.
✴️ 3. الزهراء عليها السلام كناقدة للظلم:
• لم تصمت الزهراء عليها السلام أمام ما رأت أنه تجاوز للحق، سواء في الإرث أو في القيادة السياسية. هنا تصبح الزهراء عليها السلام نموذجًا لامرأة لا تقبل الظلم، ولا تسكت باسم الحياء أو القدر.
🔸 التقاء تونس كأنموذج، والزهراء كمرجعية:
الزهراء عليها السلام
تونس اليوم
البُعد
خطبة تطالب بالحق وتنتقد الظلم
قانون يحفظ الحقوق ويدعو للمساواة
التشريع
حضور علني وخطاب جريء في المسجد
نساء في السياسة والمجتمع المدني
الحضور العام
مطالبة بالإرث ورفض تغييبها
قوانين ضد العنف وضد التمييز
المطالبة بالحق
عقل نسوي إسلامي ناطق باسم الرسالة
حركات نسوية تفكر خارج القوالب
التفكير المستقل
ليس المطلوب من المرأة العربية أن تختار بين “الحداثة” و”التراث”، بل أن تصوغ حداثتها من داخل تراثها الأصيل.
• تونس قدّمت نموذجًا جريئًا تشريعيًا.
• الزهراء عليها السلام قدّمت نموذجًا روحيًا-سياسيًا متجاوزًا لزمنها.
فالزهراء ليست مجرد قديسة في التاريخ، بل صوتٌ نسائيٌ واعٍ، يطالب بالعدالة ويؤسس لفكر مقاوم.
ولعل المرأة العربية اليوم، حين تستلهم الزهراء، يمكنها أن تتحرر من الداخل لا بالتمرد على الهوية، بل بتحريرها من التجميد.ولو رجعنا الى خطبة الزهراء نجده يعتبر نصًا سياسيًا نسويًا؟
ونأخذه من ثلاثة أبعاد رئيسية:
🔹 1. البعد السياسي: امرأة في قلب الصراع السياسي
فاطمة الزهراء (ع) لم تكن “صوت بكاء”، بل صوت اعتراض علني وجريء على السلطة الجديدة بعد وفاة النبي )ص) واشير الى أمثلة من الخطبة:عندما قالت عليها السلام
“يا ابن أبي قحافة، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئًا فريًّا.”
• هذا ليس مجرد اعتراض على “فدك”، بل تشكيك مباشر في شرعية السلطة التي حرمتها من إرثها وحقوقها.
الخطاب هنا سياسي بامتياز، إذ يعيد طرح أسئلة مشروعية الحكم والعدالة في توزيع السلطة والمال.والزهراء عليها السلام لا تتكلم فقط بصفتها “وريثة”، بل بصفتها جزءًا من مشروع النبوة، تدافع عن “المعنى” الذي مثله النبي،(ص) وتشعر أنه يُنسف سياسيًا واجتماعيًا.
2. البعد الحقوقي: تأسيس الوعي القانوني للمرأة
الزهراء عليها السلام لم تطالب عاطفيًا، بل احتجّت بالنص القرآني والعقلي، مما يدل على وعيها القانوني والفكري.عندما قالت:(“أأنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟”)
• هي تحتج على تحريف النصوص لتبرير الظلم.وترفض أن يُؤوَّل الدين ضد المرأة، أو أن يُستخدم لتسويغ المصادرة.
هنا نراها تُعلن أن المرأة يمكن أن تكون فقيهة ومُؤوّلة ومُجادلة باسم النص، وليس مجرد تابعة لرجال الفقه.بل وتؤسس لـ المرأة كصاحبة حق في النقاش والتأويل والاحتجاج.
3. البعد الرمزي-الخطابي: قلب الموازين الخطابية الذكورية حيث نجد أن فاطمة الزهراء (ع) قلبت السائد، فألقت خطابًا:
• في المسجد (المجال العام الذكوري وقتها)
• أمام السلطة
• بصوت واضح وموقف صريح
أمثلة لغوية:
“فوجدتم خير عون لكم في الغدر، وسارعتم في إطفاء نور الله…”هنا الخطاب مباشر، لا يحتمل التأويل.وايضا تستخدم اللغة الذكورية للسلطة، لكنها تُعيدها لمصلحة الحق.
• هذا اختراق لما يُفترض أن يكون دور المرأة: الصمت، الطاعة، البكاء.
• الزهراء عليها السلام هنا تُعلن أن المرأة قادرة على الخطابة، التأثير، قيادة الموقف، وتسمية الأشياء بأسمائها. ما يجعل الخطبة نسوية ليس فقط أنها صادرة عن امرأة، بل لأنها:
الوصف
العنصر
لا تخاف من السلطة الجديدة
تواجه السلطة
تستعمل القرآن بمنطق احتجاجي لا تبعي
تحتج بالنص
تخطب في المسجد، وهو عمل سياسي علني
تنتزع المجال العام
تصوغ مفاهيم العدل والملك من زاوية نسوية-نبوية
تعيد تعريف “الحق”
لا تنتظر أن يُنصفها أحد، بل تُنصف نفسها علنًا
تُمارس القيادة الفكرية
مقارنة مع الحركات النسوية المعاصرة
الزهراء (ع)
النسوية المعاصرة
تحتج بالدين
تحتج بالقانون
تطالب بالحق من موقع روحي ونبوي
تطالب به من موقع إنساني/مدني
لا تنفصل عن الهوية الدينية
أحيانًا تُتهم بالتغريب
تُقوّض السلطة باسم الرسالة
تقوضها باسم الحرية أو الحقوق
لذلك : خطبة الزهراء تصلح كنموذج إسلامي نسوي يمكن استعادته اليوم في مشاريع تمكين المرأة داخل السياق الديني، دون الشعور بالتناقض بين “النسوية” و”الانتماء الديني”.
سؤال هل يمكن للمرأة ان تحمل فكرا تحرريا دون ان تتخلى عن روحها الايمانية؟
نعم، يمكن للمرأة أن تحمل فكراً تحررياً دون أن تتخلى عن روحها الإيمانية، بل إن أعظم النساء في تاريخ الإسلام جسّدن هذا التوازن النادر بين الحرية والكرامة والفكر الحر من جهة، والإيمان العميق واليقين بالله من جهة أخرى.
ولعل أبرز النماذج التي تُثبت هذا المعنى بوضوح هن:
🟣 السيدة خديجة بنت خويلد عليها السلام
تحررها:
• كانت امرأة مستقلة في فكرها وقرارها، تاجرة ناجحة، تدير أعمالها بنفسها، وتوظّف الرجال في زمن كانت فيه المرأة تُقصى عن الحياة العامة.
• اختارت زوجها بنفسها (النبي محمد ﷺ) رغم الفارق في المكانة الاجتماعية والمالية، ما يدل على تحررها من الأعراف القبلية.
• حين ظهر الوحي، لم تتردد في التصديق برسالة محمد ﷺ، وخالفت المألوف والمجتمع الوثني، ووقفت معه من اللحظة الأولى، بعقلها وقلبها ومالها.
إيمانها:
• أول من آمن، وأول من صلى مع النبي ﷺ.
• كانت سنداً روحياً ونفسياً له، فخفّفت عنه الخوف والقلق، وقالت كلمتها الخالدة:
“كلا، والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث…”
• لم يكن إيمانها خضوعاً أعمى، بل كان وعياً مبنياً على المعرفة والعقل.
• السيدة خديجة (ع) جمعت بين استقلال القرار، والحرية الفكرية، والإيمان العميق، وكانت أول من آمن في الأمة.
🟣 فاطمة الزهراء عليها السلام
تحررها:
• كانت واعية بحقوقها، ولم تتردد في المطالبة بها، كما فعلت في قضية “فدك”، حين واجهت السلطة السياسية مطالبة بحقها الشرعي، وخطبت أمام الناس دفاعاً عن ملكيتها وحقها.
• خطبتها تُعدّ وثيقة فكرية قوية، استخدمت فيها المنطق والعقل والحجة القرآنية، في وقت لم يكن للنساء صوت في المجال العام.
إيمانها:
• كانت من أعبد الناس، زاهدة، قانتة، صابرة، وأقرب الناس إلى قلب النبي ﷺ.
• قال عنها: “فاطمة سيدة نساء أهل الجنة.”
• كانت نموذجاً للروح الإيمانية الصافية التي لا تتعارض مع وعي الذات والحق والعدل.
➡️ فاطمة الزهراء كانت مؤمنة واعية، لم تقف مكتوفة الأيدي أمام الظلم، بل واجهته بالإيمان والقول الفصل.
– زينب بنت علي عليها السلام
تحررها:
• جسّدت أعلى مراتب التحرر الفكري والروحي في أصعب الظروف: بعد استشهاد الحسين وأهل بيته عليهم السلام ، وقفت في وجه الظالم يزيد، وقالت خطبتها الشهيرة في مجلسه، بقوة وثبات وكرامة:
“فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا.”
• لم تخف من بطشه، ولم تتردد في فضح الظلم أمام الجميع، وكانت قائدة في لحظة كارثية، حاملةً لرسالة أخيها.
إيمانها:
• كانت تصلي الليل رغم الجراح والمآسي.
• صبرها ورضاها بقدر الله كانا تعبيراً عن إيمان عظيم.
• كانت ترى في كربلاء تجلياً لموقف رسالي، لا مجرد مصيبة.
زينب عليها السلام كانت رمزاً للمرأة المؤمنة، المثقفة، القوية، التي تُعبّر عن فكرها دون خوف، وتربط كل فعلها بالله وعدله.
هؤلاء النساء لسن مجرد رموز دينية، بل نموذجٌ واقعي لما يمكن أن تكون عليه المرأة:
• متحررة الفكر: تعي ذاتها، وتفكر، وتختار، وتقف للمطالبة بحقها.
• عميقة الإيمان: تصبر، تعبُد، وتُسخّر حريتها لخدمة رسالة أسمى.
لقد أثبتن أن التحرر الحقيقي لا يعني التمرد على الإيمان، بل ينبع منه، وأن الإيمان الواعي لا يُقيّد المرأة، بل يمنحها القوة والكرامة.
فالمرأة لا تحتاج أن تتخلى عن إيمانها لتكون حرّة، بل بإيمانها الواعي، تكون حرّة بحق.
سؤال : برايك هل تحتاج حركة المرأة الى فلسفة جديدة توازي التغيرات الاجتماعية والسياسية ام ان العودة الى الجذور كافية؟
سؤالك اختي جيهان عميق ومهم، ويمس جوهر النقاش حول مستقبل حركات النساء في عالم متغيّر.
ولذلك اقول : نعم، حركة المرأة تحتاج إلى فلسفة جديدة، لكن دون القطيعة مع الجذور.
والسؤال الذي يفرض نفسه ؟ لماذا نحتاج إلى فلسفة جديدة؟
1. الواقع تغيّر:
o لم تعد التحديات اليوم كما كانت قبل 50 أو حتى 20 سنة.
o العولمة، التكنولوجيا، الاقتصاد الرقمي، الذكاء الاصطناعي، قضايا المناخ، الهجرة… كلها تؤثر على النساء بطرق جديدة.
o هناك نساء في مواقع سلطة، لكن التمثيل لا يعني التحرر الكامل، بل يُظهر تناقضات جديدة.
2. النسوية التقليدية غير كافية دائمًا:
o بعض أشكال النسوية ركزت على المرأة الغربية وتجاهلت تجارب النساء في الجنوب العالمي أو في السياقات الإسلامية.
o هناك حاجة إلى مقاربات متقاطعة (intersectional) تأخذ بعين الاعتبار الطبقة، العرق، الدين، والهوية الجنسية.
3. تغير أدوار الجندر:
o المفاهيم الكلاسيكية للأنوثة والذكورة تتغير، وظهرت هويات جديدة (مثل اللاجندرية)، ما يفرض إعادة التفكير في ما تعنيه “المرأة” أصلاً.
لكن: العودة إلى الجذور ضرورية أيضًا لماذا ؟
لا يمكن بناء فلسفة جديدة بدون فهم السياقات التاريخية والثقافية والدينية التي شكلت وضع النساء.
الجذور تقدم أدوات مقاومة مهمة، خاصة في المجتمعات التي ما زالت تُهيمن فيها أنظمة تقليدية أو أبوية.
العودة للجذور ليست رجعية بالضرورة، بل يمكن أن تكون نقدية وإحيائية، تستخرج من التراث ما يُعزز حرية المرأة.وهنا نسأل ماهو المطلوب ؟
المطلوب ليس إما/أو، بل المطلوب تركيب فلسفي جديد وهو :
• يجمع بين الفهم النقدي للجذور والانفتاح على معطيات العصر.
• ينطلق من السياقات المحلية لكن يتواصل مع النضالات العالمية.
• يتبنى العدالة الشاملة، لا فقط المساواة الشكلية.
السؤال : عندما تكتبين في منهجية ال البيت هل تكتبين بوصفك باحثة محلله ام انسانة تبحث عن خلاصها الداخلي عبر الكلمة؟
هنا اقول ان سؤالك عزيزتي جيهان يضع الأصبع على مفترق حساس بين الكتابة كفعل معرفي والكتابة كـبحث وجودي. وفي حالة الكتابة عن منهجية أهل البيت، يصعب إن لم يكن يستحيل الفصل بين الاثنين.
عندما كتبتُ في منهجية أهل البيت:فأنا أكتب بوجهين متداخلين:
✦ أولًا: بوصفـي “باحثة محلّلة”
• ألتزم أدوات البحث: تحليل النصوص، تتبّع الأسانيد، فهم السياقات، نقد الروايات، المقارنة بين المدارس، الوقوف على التحولات التاريخية والسياسية.
• أنظر في كيف تطوّرت المنهجية الأخلاقية والعقلية والمعرفية عند أهل البيت، وكيف فرّقت بين الشريعة كقانون، والحقيقة ككشْف.ولكن هذا الجانب — رغم أهميته لا يكفي.
✦ ثانيًا: بوصفـي “إنسانة تبحث عن خلاصها عبر الكلمة”
• حين أقرأ دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام ، لا أقرأه فقط كـ”نص أدبي روحي”، بل أقرأ نفسي بين السطور: ذنبي، خوفي، وحدتي، رجائي.
• حين أتتبع فكر الإمام علي عليه السلام في “نهج البلاغة”، لا أتعامل معه كأدب بلاغي فقط، بل كـمرآة تمتحن ضميري: ماذا يعني أن تكون حرًّا؟ أن تقاتل الظلم؟ أن تحاسب نفسك؟
• حين أفكك سيرة الزهراء أو زينب،عليهن السلام لا أراهن مجرد تاريخ، بل “لغة مقاومة” أمام الانكسار، ودرسًا في الاحتفاظ بالكرامة في زمن الخسارات الكبرى.
إذًا: أنا أكتب بين النص والعَصَب، بين التحليل والتضرّع.بمعنى :
• البحث يمنحني الاتساق، واللغة تمنحني الخلاص.
• العقل يطرح الأسئلة، لكن القلب هو الذي يتحمّل الإجابات.
ويمكن القول إن الكتابة عن أهل البيت، إن كانت صادقة، فلا بد أن تكون جمعًا بين المعرفة والمحبّة، بين التحقيق
سؤال : مالذي يمنحك الطمأنينة اكثر :الكتابة في النصوص المقدسة ام مواجهة الفكر السياسي المعاصر؟
سؤالك : هنا يُشبه وضع كفّتين على ميزان واحد، وكل كفّ منهما ثقيلة بطريقتها.
لكني إن تأملت بصدق:
ما يمنحني الطمأنينة أكثر هو الكتابة في النصوص المقدسة — لا لأنني أتهرّب من مواجهة الفكر السياسي، بل لأن النص المقدّس يفتح لي بابًا نحو العمق الهادئ، بينما الفكر السياسي يجرّني إلى الحافة المضطربة.بمعنى ادق : في النصوص المقدّسة:
• أجد لغة تتجاوز الصخب، تتوجه إلى القلب والعقل معًا.
• هناك مساحة للتأمل، للسكون، ولإعادة تشكيل الذات في ضوء كلمة تهدّ الجبال لكنها تُربّت على الروح.
• حين أكتب في النص المقدس (دعاء، آية، حديث، أثر)، أشعر أنني لست وحدي.
هناك سلسلة من الأرواح تتجاوب معي: نبي، إمام، متصوّف، شهيد، سائلة، وكأننا جميعًا نهمس في نفس الظل.
الطمأنينة هنا ليست فقط شعورًا، بل هي عهد داخلي: أن هناك ما هو أعمق من السلطة والتاريخ… هناك ما يُشبه الأبد.
✦ أما مواجهة الفكر السياسي المعاصر:
• فهي ضرورة عقلية وأخلاقية لا أتنصّل منها.لماذا ؟ للعديد من الاسباب منها
فيها شحذٌ للفكر، وتفكيك للمسكوت عنه، وتحريض على التغيير.لكنها لا تمنح الطمأنينة بقدر ما توقظ القلق النبيل، وتكشف هشاشة الكثير من “المُطلقات” السياسية المعاصرة، سواء باسم الدين أو الحداثة أو الحقوق.ولكن أحيانًا أخرج من كتابة سياسية وأنا مثقلة، كأنني وضعت مرآة أمام الخراب ولم أجد يدًا كافية لمداواته. لذلك :
• الطمأنينة أجدها في النصوص المقدسة،
• والمسؤولية أتحملها في الفكر السياسي.
ولا معنى لأحدهما دون الآخر.
فمن اكتفى بالطمأنينة قد يغرق في السكون،
ومن انغمس في السياسة وحدها قد يحترق بلا جذور.
سؤال: برؤيتك الفكرية والسياسية كيف تقرئين المشهد العربي اليوم هل هو انعكاس لازمة وعي حضاري عميقة ام نتيجة لانكسارات سياسية متراكمة ؟وهل ترين ان الامة قادرة على ان تعيد انتاج ذاتها في عالم لم يعد يعترف الا بالقوة والمعرفة؟
سؤالك عميق ومركّب،عزيزتي جيهان بل وينطلق من إدراك واعٍ لحجم المأزق الذي تعيشه الأمة العربية اليوم، ويتطلب قراءة شاملة تتجاوز التبسيط أو التبرير.
ولذلك جوابي يكون بالاتي :
أولاً: هل ما نعيشه اليوم هو انعكاس لأزمة وعي حضاري، أم نتيجة لانكسارات سياسية متراكمة؟ فالواقع أنه ليس واحداً دون الآخر، بل هو تشابك عضوي بين الوعي والحكم والسياسة:فهو :
1. أزمة وعي حضاري:
• نحن أمام فجوة معرفية وقيمية كبيرة بين العالم العربي والمنظومات الحضارية المتقدمة. هناك تراجع في الإنتاج المعرفي، وانكماش في الفلسفة، وتكلّس في التجديد الديني، وعجز عن مواكبة التحولات الكبرى في الفكر، والعلم، والتكنولوجيا.
• لا تزال المجتمعات العربية محكومة في كثير من مفاصلها بـ”اللاوعي الجمعي”، والخوف من التغيير، والاستسلام للقدرية السياسية والدينية.
• الوعي التاريخي غائب، وغالباً ما يُستبدل بخطاب شعاراتي يعيد إنتاج “الحنين” لا “النهضة”.
2. انكسارات سياسية متراكمة:
• سلسلة طويلة من الهزائم، من نكبة 1948 إلى نكسة 1967، وصولاً إلى الربيع العربي الذي تحوّل في بعض تجلياته إلى خريف دموي، كل ذلك تراكم الإحباط واليأس.
• أنظمة ما بعد الاستعمار تحوّلت من مشاريع تحرّر إلى مشاريع سلطة، حكمت شعوبها بالاستبداد، وصادرت المجال العام، وعرقلت بناء الدولة الحديثة.
• الاستعمار الجديد بأشكاله الاقتصادية والثقافية والتقنية لا يزال يحاصر القرار العربي.
ثانياً: هل الأمة قادرة على إعادة إنتاج ذاتها؟
نعم، لكن بشروط قاسية وجادة، لأن العالم لم يعد يعترف إلا بمن يمتلك:
1. القوة الصلبة (الاقتصاد، الأمن، التقدم العلمي):
• إعادة إنتاج الذات لا يمكن أن تكون بخطاب العاطفة، بل بتأسيس مشروع حضاري حقيقي، يبدأ من إصلاح التعليم، وتحرير الفكر، والاستثمار في الإنسان.
• القوة التكنولوجية والعلمية اليوم هي العمود الفقري لأي أمة تريد أن تُحترم. ولا مكان للضعفاء في عالم يُدار بالخوارزميات والذكاء الاصطناعي والمعلومات.
2. القوة الناعمة (الثقافة، الفنون، الأفكار):
• رغم المآسي، لا تزال الشعوب العربية تُنتج فناً، أدباً، موسيقى، أفلاماً، وإبداعاً فكرياً، لكن هذه الطاقات بحاجة إلى من يحتضنها ويحوّلها إلى أدوات تأثير.
وهنا اقول :
نعم، الأمة تمر بأزمة، لكنها ليست ميؤوساً منها. التاريخ يعلمنا أن الأمم تنهض من تحت الركام، حين تتوفر ثلاثية:
الوعي، والإرادة، والقيادة.
سؤال لو خيرتي بين ان تكوني باحثة مؤلفة او فاعلة في صنع القرار السياسي والاجتماعي ايهما تختارين ؟ ولماذا؟
سؤال عميق وجميل، ويفتح بابًا للتفكير في الدور الذي يمكن أن يلعبه كل من الباحث والمؤلف من جهة، وصانع القرار السياسي والاجتماعي من جهة أخرى.
لو خُيّرت بين أن أكون باحثة مؤلفة أو فاعلة في صنع القرار السياسي والاجتماعي، لاخترت أن أكون باحثة مؤلفة، والسبب يعود إلى ما يلي:
1. الاستقلالية الفكرية وحرية البحث
الباحثة تتمتع غالبًا بقدر أكبر من الحرية في طرح الأسئلة الصعبة، وتشريح الواقع، وفضح التناقضات، دون أن تكون مقيدة بضغوط سياسية أو حزبية أو مصالح آنية.
2. التأثير العميق وطويل الأمد
الأفكار تغيّر العقول، والعقول تغيّر السياسات. قد لا يرى الباحث تأثير عمله مباشرة، لكن الأفكار التي ينتجها يمكن أن تبني وعيًا جماعيًا، وتلهم أجيالًا، وتوجّه حتى صناع القرار أنفسهم.
3. القدرة على النقد والبناء
من موقع الباحث، يمكن ممارسة النقد البنّاء بحرية، والمساهمة في إعادة تشكيل المفاهيم والممارسات المجتمعية والسياسية، من دون أن تكون محكومًا بحسابات الربح والخسارة أو التوافقات المرحلية.
4. الكتابة كأداة مقاومة وبناء
الكتابة ليست ترفًا، بل أداة مقاومة. المؤلفة يمكن أن تكون صوت من لا صوت لهم، وتوثّق الحقيقة، وتطرح البدائل.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أهمية صانع القرار، فبدونه تبقى الأفكار حبيسة الكتب. لكن في بيئات يغيب فيها التفكير النقدي، قد يكون دور الباحث أكثر إلحاحًا وأولوية.
لذلك
• لا اكتفي بتحليل المشكلة، بل اريد أن اكون جزءًا من حلها.
• لا اراقب من بعيد، بل اضع نفسي في موقع المواجهة والمبادرة.
• ادرك أن الواقع لا يتغير بالأمنيات أو بالأفكار وحدها، بل بالفعل والشجاعة واتخاذ قرارات صعبة أحيانًا.
هذا النوع من التفكير مطلوب بشدة اليوم.
لأن كثيرين يكتفون بالنقد، أو بالفرجة، أو بالكلام دون فعل.
فربما النموذج الأمثل هو الذي يمزج بين الحس العملي للفاعل، وعمق التحليل للباحث.
اتمنى ان اكون قد وفقت في الاجابات والتحية والتقدير لك
أد. نجيبة محمد مطهر مستشار مكتب رئاسة الجمهورية اليمنية – صنعاء
في نهاية هذا الحوار، يتجلّى حضور الدكتورة لا كصوتٍ فرديّ يكتب على هامش الزمن، بل كعقلٍ يقرأ الماضي ليصنع للحاضر معناه، وللمستقبل أفقه. هي لا ترى الكلمة ترفًا، ولا البحث جهدًا أكاديميًا جامدًا، بل تعتبرهما معراجًا نحو وعيٍ أصفى، ونحو أمةٍ أقدر على أن تحيا ذاتها. في كتاباتها تلتقي مظلومية التاريخ مع وعي الحاضر، وفي رؤيتها تتصالح السياسة مع الروح، لتؤكد أن الفكر حين يمتلك أصالته وقدرته على التجدد، يصبح بحد ذاته فعل مقاومة.
هكذا تغادرنا كلماتها لتترك سؤالًا مفتوحًا:
هل نحن مستعدون لأن نصغي إلى الفكر العميق، لا بوصفه نصًا مكتوبًا، بل كحياة تنتظر أن نمنحها حقها في أن تُعاش؟
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
