الصمود أم الاستسلام؟!

خميس بن عبيد القطيطي

يعيش النظام الرسمي العربي مرحلة عصيبة في تاريخه الحديث، وهذا الوضع المتردي يمثِّل أقسى أشكال الذُّل والهوان. والسؤال الَّذي يطرح نفسه هنا: هل البقاء على رأس السُّلطة في النظام العربي يستحق كُلَّ هذا التفريط والخنوع؟ أعتقد أنَّنا كأُمَّة عربيَّة ندرك جيِّدًا أنَّ هناك ضغوطات، وأنَّ هناك تدخلات خارجيَّة، وأنَّ هناك استهدافًا خارجيًّا، وأنَّ هناك اتفاقيَّات وعلاقات عربيَّة مع العدوِّ الصهيوني. ولكن هذا التدخل والاستهداف سوف يتزايد إذا وضع العرب أنفسهم في الزاوية الضيِّقة، ولن تشفع لهم علاقاتهم مع الكيان الصهيوني عِندَما تَدُور الدائرة. ونحن هنا لا نطالب النظام الرسمي العربي بانتفاضة وعسكرة المنطقة، ولكنَّنا كأُمَّة أيضًا نبحث عن حالة تُعيد العزَّة والكرامة لنا من خلال استخدام ما يُمكِن من أوراق قوَّة لمجابهة هذا التغوُّل الاستعماري. فهذا الخنوع الَّذي يقتلنا ألف مرَّة، نعم نحن لا نريد مواجهة غير محسوبة، ولا نريد صدامًا مباشرًا، لكن نريد أن نستخدم الأوراق الممكنة، نريد أن لا نسلم كُلَّ شيء ولا نفرِّط في المبادئ والحقوق. فهناك من الأوراق ما يُمكِن استخدامه، وهناك من المبادئ ما يُمكِن الثبات عليه، فإلى متى سنظل نجلد الذَّات؟ وإلى متى سنترك الفجوة تتوسع بَيْنَ النظام الرسمي العربي والشعوب؟؟

بالأمس القريب كان هناك اجتماع قمَّة عربيَّة إسلاميَّة، لكن ـ للأسف الشديد ـ لم يستطع النظام الرسمي العربي أن يعبِّرَ عن ذاته في استخدام أوراق الضغط الممكنة، الأمر الآخر والأهم أنَّ القوى الدوليَّة لا يُمكِن أن تحترم هكذا مواقف مهزومة، بل تُمعن في إذلالها وممارسة هيمنتها ورسم سياساتها الخارجيَّة على حسابها وفقًا لعناصر استراتيجيَّتها المعهودة وهي (إسرائيل ـ الثروة) إضافة إلى السيطرة على القرار السيادي العربي، والاستفادة من الموقع الاستراتيجي الَّذي يفترض أن يكُونَ عامل قوَّة للأُمَّة العربيَّة. ولكن ـ للأسف ـ الموقع والقواعد العسكريَّة الغربيَّة أصبحت جزءًا من أدوات الهيمنة الَّتي تخدم المشروع الاستعماري، بالاعتداء على الدول الحُرَّة والعقوبات المنفَّذة عليها! ولا شك أنَّ الفجوة بَيْنَ الأنظمة والشعوب تزعزع الثقة بَيْنَ الشعوب والنظام الرسمي، لتصبح كلمة العدوان هي العُليا، هذه هي الحقائق الَّتي يعلمها جميع العرب بلا استثناء، فهل يبحث العرب لأنفسهم عن طوق للنجاة من خلال تفعيل أوراق القوَّة الممكنة؟ أم سيبقى النظام الرسمي في مستنقع الذُّل حتَّى يتمَّ إعلان شهادة الوفاة؟

يقول الزعيم جمال عبدالناصر: «إنَّ الثَّمن الَّذي ندفعه للحُريَّة فادح، ولكن الثَّمن الَّذي ندفعه في حال الذُّل أفدح». كذلك من مقولاته الشهيرة: «إنَّ وجود مصر ضعيفة ضعف للنضال العربي كُلِّه، ووجود مصر مشلولة شلل للنضال العربي كُلِّه، وليست هذه حقيقة جديدة وإنَّما هي استقراء للتاريخ والطبيعة». هنا يبدو تلخيص الفكرة العربيَّة بِرُمَّتها، فمصر تعني القيادة والقيادة هنا لا بُدَّ أن تكُونَ عظيمة بعظم مكانتها وقدسيَّة نضالها، وهنا لا بُدَّ من امتلاك الإرادة الحقيقيَّة والتطلع إلى واقع كريم ينسف هذا الوهن والتبعيَّة والخنوع، فما سنقدِّمه في حال الاستسلام أخطر وأكثر فداحة. فالقضيَّة هنا ليست قضيَّة موقف عربي ضد الصهاينة فحسب، بل هي أبعد من ذلك، القضيَّة أنَّ العرب لا بُدَّ أن يقولوا كلمة «لا» مسموعة في مواجهة قوى الاستعمار لاستعادة الحقوق التاريخيَّة والتمسُّك بالمبادئ والثوابت العربيَّة، فهذه القوى الدوليَّة ليست سيفًا مسلطًا على هامة الأُمم والشعوب، ويَجِبُ أن يتمَّ التعامل معهم في إطار الاحترام المتبادل، وهذه الحقيقة لن تدركها القوى الدوليَّة طالما لم ندركها نحن العرب.

ليتَ العرب كان لهم موقف رسمي كما هو الحال في أفغانستان حيثُ صرَّح بالأمس وزير الخارجيَّة الأفغاني أمير خان متقي: «حتَّى لو اعترفت الولايات المُتَّحدة بنا وأعادت بناء أفغانستان بشكلٍ كامل، فإنَّنا لن نعطيها باجرام، ولا حتَّى قطعة واحدة من الأرض الأفغانيَّة»، وكذلك جاء تصريح وزير الدفاع الأفغاني محمد يعقوب مجاهد الَّذي ردَّ ساخرًا على طلب ترامب حَوْلَ إعادة قاعدة باجرام الجويَّة: «إذا لم تغادروا وتريدوا الاستيلاء على قواعد، فنحن مستعدون لمحاربتكم لعشرين عامًا أخرى». لكن جامعة الدولة العربيَّة ـ للأسف ـ تقدِّم الغطاء السياسي لهذا التراجع بالحديث عن العقلانيَّة في العلاقة مع العدوِّ! فمَن يقف على رأس الجامعة ولا يستطيع أن يضحِّي في سبيل الالتزام بتلك المفاهيم فبقاؤه على كرسي الجامعة يسيء له أكثر ممَّا يرفعه، فهناك حقوق مسلوبة وأرض مسلوبة وشَعب مشرَّد، فأيُّ سلام يتحدث عنه العرب مع قوى غاشمة مارقة وعصابات تقوم بالعدوان وقتل الأطفال! فالعدوُّ لم يستجب لإرادة الأُسرة الدوليَّة والقرارات الدوليَّة؟! كان من الأجدى بالنظام الرسمي العربي أن يتصدى للحالة الراهنة بكُلِّ تداعياتها وبكُلِّ ما تقتضيه مسؤوليَّاته الأخلاقيَّة، فهذا النظام مسؤول عن الحقوق العربيَّة، ومسؤول عن توظيف كُلِّ مصادر القوَّة العربيَّة لصالح الأُمَّة العربيَّة، واليوم نحن لا نبحث عن المستحيلات، بل نريد التعبير عن موقفنا الثابت وإرادتنا الحُرة من خلال الالتزام بميثاق جامعة الدول العربيَّة أولًا، والالتزام بجميع المفاهيم والثوابت العربيَّة.

الشعوب العربيَّة الَّتي تمثِّل خط الدفاع الأول مع النظام الرسمي العربي وتشترك في تحمُّل المسؤوليَّة، لا شك أنَّ الشعوب العربيَّة حيَّة وباقية وتحتاج إلى القيادة الَّتي توقد جذوتها لا مَن يوسع الفجوة معها! فمن المخزي أن يستحكم بالموقف العربي لُغة الخنوع والضعف والخذلان، علمًا أنَّ ثمن الذُّل هو الأشد إيلامًا والأكبر خطرًا والأكثر فداحة؟!

اليوم باتَ على النظام الرسمي الإدراك أنَّ الشعوب هي جزء أصيل من هذه المنظومة العربيَّة بمختلف فضاءاتها وديمغرافيَّتها السكانيَّة ومصادر قوَّتها، والنظام السياسي العربي هو المسؤول عن إدارة كُلِّ تلك الأوراق والمُقوِّمات ومصادر القوَّة المتوافرة على طول الجغرافيا العربيَّة وذلك قَبل فوات الأوان.

خميس بن عبيد القطيطي

[email protected]

شاهد أيضاً

الخداع الأمريكي والصهيوني مكشوف، وإيران تقلب الطاولة على الأعداء وتبني مرحلة جديدة لصالح محور المقاومة

يكتبها: محمد علي الحريشي تبجح العدو الصهيوني وزادت نشوته في تحقيق حلمه ببناء دولته الكبرى، …