“لن أخرج من غزة إلا إلى الجنة.”

 

رواية من قلب غزة بقلم د. داليا ابو ريدة

في اليوم الأول من آب/اغسطس لسنة ٢٠٢٥ قال أحدهم للصحفي أنس الشريف:
– تعال إلى قطر وحل لك عن غزة.
فرد عليه قائلاً: لن أخرج من غزة إلا إلى الجنة.

وفي الليلة العاشرة من الشهر ذاته ، كتب أنس عبر صفحته:
“قصف مباشر وعنيف ومركز بـ أحزمة نارية عنيفة يستهدف المناطق الشرقية والجنوبية من مدينة غزة”

بعد ساعات من نشره لهذه السطور وانقطاع البث المباشر لآخر محاولة لظهوره عبر قناة الجزيرة ، سمعنا الخبر المدوي وهو استهداف خيمة الصحفيين أمام مجمع الشفاء الطبي وأنس الشريف ورفيقه محمد قريقع ومجموعة من المصورين والمراسلين الإعلاميين .. جميعهم شهداء في هذه الجريمة التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي وبشكل علني أمام عدسة العالم المتفرج يعلنون تصفية المناضلين المقاومين الحاملين لسلاح العدسة والكلمة.

 

ذهب أنس ومحمد والأخوة الزملاء الذين كانوا ينقلون حقيقة ما يجري لنا في غزة إلى قناة الجزيرة وعبر صفحاتهم الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي.

ذهبت يا أنس وأنت تحمل وجعاً يكتمه قلبك فكنت تنقل الخبر تلو الآخر ولم تجرؤ على أن تبوح بجوعك وخوفك ولم يراك أحد وأنت تنام جائعاً بعيداً عن طفلك وطفلتك وشريكة حياتك وجميع أفراد اسرتك.

لقد كان أنس أول من يخبرنا بإعلان الهدنة المؤقتة وأول من حمل الأمانة على أكمل وجه، فلم نخسر صحافي فحسب بل خسرنا ملاك كان يعيش بيننا، رافضاً السفر إلى الخارج ولم يدع مجالاً للشك أنه سيخرج إلى أي مدينة في العالم إلا إلى الجنة كما كانت إجابته على ذلك الذي كان يتوسل إليه السفر إلى قطر.

لم أنسى يوماً أنه المراسل القوي الشجاع ناقل الحقيقة قاهر العدو.

نلت الشهادة يا أبوصلاح..

وهذا صلاح طفله الذي لم يتجاوز الثامنة أشهر ، كبر وهو بعيداً عنه وقد صرح والده الشهيد في مقطع نشره على صفحته أن طفله صلاح لم يتعرف عليه ولم يعش معاه مثلما كان يحلم ، لأنه مواليد حرب الإبادة الجماعية بحقنا في قطاع غزة لذلك كان ينتقل في محافظات القطاع لنقل للعالم جرائم الاحتلال الإسرائيلي.

لا تعب الآن ولا خوف يا أنس.. لا جوع ينهش الجسد، ولا نزوح يهلك ويشيب الروح..
ومن بعد اليوم لن تقف أمامنا ولن نراك غدا تناشد العالم من بين ركام شوارعنا تحمل المايكروفون تنقل خبر عاجل وتعززه بما نعانيه من مجاعةٍ وقصفٍ مستمر..
وكن على يقين بأننا لن ننسى كل ما رويته فقد رويت الخبر على الهواء مباشرة بعدما سكبت دموعك على خديك لآلاف المرات محاولا إخفاء غصتك كالعادة..

هنيئًا لك الراحة بعد العناء، طبت وطاب مثواك ولروحك السلام
وهنيئًا لك جنة الفردوس الأعلى.

لقد اصطفاه الله كما تمناها وما اجملها من شهادة كان ينتظرها.

***
إليكم وصيته التي كتبها بتاريخ 06.04.2025 ووصانا بنشرها بعد استشهاده وهانذا اقوم بنشرها بتاريخ استشهاده 10/08/2025:

↑ وصية الشهيد انس الشريف ↓

‏هذه وصيّتي، ورسالتي الأخيرة.
إن وصلَتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسسسرررائيل قد نجحت في قتتتلي وإسكات صوتي.
بداية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يعلم الله أنني بذلت كل ما أملك من جهدٍ وقوة، لأكون سندًا وصوتًا لأبناء شعبي، مذ فتحت عيني على الحياة في أزقّة وحارات مخيّم جباليا للاجئين، وكان أملي أن يمدّ الله في عمري حتى أعود مع أهلي وأحبّتي إلى بلدتنا الأصلية عسقلان المحتلة “المجدل” لكن مشيئة الله كانت أسبق، وحكمه نافذ.
عشتُ الألم بكل تفاصيله، وذُقت الوجع والفقد مرارًا، ورغم ذلك لم أتوانَ يومًا عن نقل الحقيقة كما هي، بلا تزوير أو تحريف، عسى أن يكون الله شاهدًا على من سكتوا ومن قبلوا بقتلنا، ومن حاصروا أنفاسنا ولم تُحرّك أشلاء أطفالنا ونسائنا في قلوبهم ساكنًا ولم يُوقِفوا المذبحة التي يتعرّض لها شعبنا منذ أكثر من عام ونصف.

أوصيكم بفلسطين، درةَ تاجِ المسلمين، ونبضَ قلبِ كلِّ حرٍّ في هذا العالم.
أوصيكم بأهلها، وبأطفالها المظلومين الصغار، الذين لم يُمهلهم العُمرُ ليحلموا ويعيشوا في أمانٍ وسلام،
فقد سُحِقَت أجسادهم الطاهرة بآلاف الأطنان من القنابل والصواريخ الإسسسرررائيييلية، فتمزّقت، وتبعثرت أشلاؤهم على الجدران.

أوصيكم ألّا تُسكتكم القيود، ولا تُقعِدكم الحدود، وكونوا جسورًا نحو تحرير البلاد والعباد، حتى تشرق شمسُ الكرامة والحرية على بلادنا السليبة.
أُوصيكم بأهلي خيرًا،
أوصيكم بقُرّة عيني، ابنتي الحبيبة شام، التي لم تسعفني الأيّام لأراها تكبر كما كنتُ أحلم.

وأوصيكم بابني الغالي صلاح، الذي تمنيت أن أكون له عونًا ورفيق دربٍ حتى يشتدّ عوده، فيحمل عني الهمّ، ويُكمل الرسالة.

أوصيكم بوالدتي الحبيبة، التي ببركة دعائها وصلتُ لما وصلت إليه، وكانت دعواتها حصني، ونورها طريقي.
أدعو الله أن يُربط على قلبها، ويجزيها عنّي خير الجزاء.

وأوصيكم كذلك برفيقة العمر، زوجتي الحبيبة أم صلاح بيان، التي فرّقتنا الحرب لأيامٍ وشهورٍ طويلة، لكنها بقيت على العهد، ثابتة كجذع زيتونة لا ينحني، صابرة محتسبة، حملت الأمانة في غيابي بكلّ قوّة وإيمان.

أوصيكم أن تلتفوا حولهم، وأن تكونوا لهم سندًا بعد الله عز وجل.
إن متُّ، فإنني أموت ثابتًا على المبدأ، وأُشهد الله أني راضٍ بقضائه، مؤمنٌ بلقائه، ومتيقّن أن ما عند الله خيرٌ وأبقى.

اللهم تقبّلني في الشهداء، واغفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر، واجعل دمي نورًا يُضيء درب الحرية لشعبي وأهلي.
سامحوني إن قصّرت، وادعوا لي بالرحمة، فإني مضيتُ على العهد، ولم أُغيّر ولم أُبدّل.

لا تنسوا غزة…
ولا تنسوني من صالح دعائكم بالمغفرة والقبول.
أنس جمال الشريف
06.04.2025

هذا ما أوصى الشهيد الحبيب أنس بنشره عند استشهاده.

جميعنا سنحمل رسالتك وسنكون على هذا الطريق إما نصراً أو شهادة.

داليا ابو ريدة
10/08/2025م

شاهد أيضاً

مع انتشار الآفات والسموم: لا تؤجل فحص القولون..

أسماء الجرادي عاماً بعد عام تتغير أوجاع الناس، وفي ظل تحديات هذا العالم الثقيلة، توسع …