“آخر شيء سمعته قبل أن أُدفن حياً”

سهيل عثمان سهيل/اليمن 📝

لم أمُت بعد، لكنهم ظنوا ذلك… وآخر شيءٍ سمعتهُ قبل أن يغلق عليَّ التراب هو: `”كان كاتب”` هكذا كانت آخر جملة، رددها الكثير من الذين شاركوا في دفني وانا على قيد الحياة،
ولا أدري ما هو سبب دفني بعد مدة زمنية قصيرة من التشخيص المبكر وربما دخلت في غيبوبة ما بسبب مجهول، ومن خوف الأهل ومحبتهم المفرطة ذهبوا بي إلى المشفى بعد أن غفوت بعد الظهيرة لمدة عشرين دقيقة، حيث وضعت منبه الاستيقاظ على آذان العصر، وعليَّ وقد تجنبت النوم في هذا التوقيت الصيفي منذ حوالي أربعة أشهرٍ بالتمام.

لم أشعر بطفلتي ولا بضجة الشوارع ، ولا أدري أين انا…
لكن ذلك الطبيب الذي أكد لهم توقف قلبي، كان على موعد غرام بعد خروجه إلى هناك ليلتقي بعشيقته الجديدة سراً بدليل أني كنت شبه ميت لكني أدركته وهو يهاتفها عبر سماعة بلوتوث أدمن على وضع الاثنتين في أُذنَيهِ، بدلاً من السماعة الطبية ربما في حالتي الإسعافية فقط!
ورغم تركيبه للسماعة الظبية فقد حجب صوتها المراهق صوت دقات قلبي وراح يرد عليها وقلبي ينبض ولم يسمعه قائلاً لها كما لم يسمعه أحدٌ غيري:
– حسناً سوف نلتقي بعد خمس دقائق، انتظريني حتى انتهاء تقريري عن حالة وفاة وصلت للتو.

خرج الطبيب على عجلة، وعلى الفور أخذ الأهل تقريره وإذا بي اسمعهم يقرأونه:

– الاسم: سهيل…
– العمر: ٢٨ سنة
– تاريخ الوفاة: ٢٠٢٥-٨-٥م
– ساعة الوفاة ٣:٣٠م
– السبب: مجهول.

لم أفهم كلمة مجهول وهي الكلمة التي لم يركز عليها الأهل والأصدقاء، ورغم اهتزاز جسدي على نقالة المرضى,عفواً الموتى لأن كل الكراسي المتحركة في المشافي يُنقل عليها الاحياء المرضى والاموات الغير أحياء.
– لكن إلى أين أنتمي.؟. سألت نفسي ومضيت في البحث عن معنى كلمة سبب الوفاة ، ورغم نقل جسدي من مكان إلى آخر وسماعي لأصوات أحببت أصحابها حياً وميتاً إلا أني حاولت عدم الاستيقاظ والاستمرار في غفوتي، انفردت بعالم المجهول هذا، ووجدته عالم آخر ليس كما نصفه..
وهو ليس الآخرة بل هو عالمنا الحاضر.

طبعاً لم أدرك تلك اللحظات التي كنت أعيشها عندما نسمع عن وفاة صديق أو قريب، لا بكاء ولا لحظات غسيل الميت ، كل هذه الأشياء لم أتذكرها إلا أني وجدت نفسي بين أيدي من يحاولون إخراجي من النعش إلى أيدٍ تنتظر مناولتهم لجثماني.

ثم عمَّ الصمت المكان ، لا شيء إلا تمتمات الدّفان ، ولا أدري في أي مقبرة من مقابر موطن الموتى ستزورني يوماً ما؟
المهم أنني بدأت أكتشف عالم مجهول مليء بالعجائب ، فكل هذهِ الأشياء رغم مشاركتي فيها إلا أني لم أعشها مرتين ، لهذا فضلت أن يكون لي تجربة أولى لكن كيف والآن سيغلقون عليَّ بالتراب ؟
لم أنتظر إجابة المشاركين في دفني لأني لم أصدر صوتاً، وقلت بيني وبين نفسي:
– ليضعوا حجارة اللحد كاملة وأقوم مُنتفضاً قبل أن يزاحم الناس بدفني بالتراب.

وبينما كنت أنتظر حدوث فكرتي الساذجة إذا بأحدهم سمعته يقول:
– بماذا كان يُعرف الميت ؟ أحدهم قال:
– شعره أشقر ، وقد استنشق التنفس الصناعي بعد أن اختنق بأول استنشاقه لثاني اكسيد الكربون وهو ابنُ سبعة أشهر، ولأنه سباعيا فكل شيء بالنسبة لحياة الإنسان يحدث سريعاً وقبل وفاته كان شبه أصلع.
ثم سمعت الآخر يقول للسائل:
– `كان كاتباً.`

– `وهل يعترف العالم بالكُتّاب الذين يعيشون في زمن الذكاء الاصطناعي؟`
سألت نفسي ومضغت الإجابة….

ثم حاولت النهوض لأخبره بنفسي أنني ليس كما يدعي الأخير!
ولكني عجزت وما استطعت تحريك أطرافي ..
كلما في الأمر كنت أشعر بأني أتنفس وبكامل قواي العقلية والجسدية، وقد اجتزت اختبارات التجربة خطوةً بخطوة؛
– لكن لماذا عجزت في آخر لحظة من تجربة الموت ؟
سألت نفسي وانا أحاول للمرة الثانية على تحريك أصابي ورأسي وقدماي.. حاولت الخروج للذهاب إلى ذلك المسجد الذي لم يجتمع فيه الناس لصلاة العصر، في ذلك التوقيت الذي كنت اتخذته موعد استقاظي وضعوني جانباً وحملوني دون الصلاة عليَّ، بل حاولت الخروج للصلاة على جنازتي بنفسي بدلاً من فراغ المكان ، ثم إني رأيتكم تجرون تتسابقون إلى المقبرة قبل جثتي، ربما لأنكم كنتم تقرأون القرآن الكريم أكثر مني، وتواظبون على اداء الصلاة والنوافل، ولهذا كانت رحلة التشييع من انطلاق العقيدة الإسلامية وليست العلاقة التي كانت بيننا، ولم يسعَ أحدكم إلى أن يصبح واعظاً فوق كل قبر حديث الحفر، أو كاتباً على قيد الحياة كما يدعي ذلك الصديق الكاتب بأني كنت مثله ولكنه لم يعد يكتب لسبب مجهول…
لكن لماذا قال له أني كنت مثله؟
هل سيرسل له كتاباتي التي أمنته على حفظها قبل إيداعها كذكرى شغف الكتابة وحب القراءة!!
– يجب اكتشاف الحقيقة.
ولهذا فضلت السكوت على خطأ التشخيص الطبي وبررت لروحي أن هلع المقربين جعلهم لا يشعرون نبضات قلبي، وقد ساعدتهم بالرحيل وساعدوني بحقيقة محبتهم مُتغلباً على حبي لهم ولكم، في مدة زمنية قصيرة ، للوصول إلى المجهول كما ورد في تقرير حالة الوفاة ..

– يجب أن أنهض لإثبات حقيقة أنني ليس كما ادعى ذلك الصديق للسائل المجهول ايضاً.

محاولتي الأخيرة ليس لأجله او للعودة إلى الحياة وإلى العالم الافتراضي بل لأجل أن يقرأ السائل ما كنت أكتبه منذ صباي ولم أنشر شيئاً مما كتبته في شبابي ولسبب مجهول!!

لذلك أريدهُ أن يقرأ لي ليدحض حقيقة الأمر الملفق فانا ليس كاتباً وكل ما ينشر في المجلات العربية هي مجرد نصوص عابرة عبرت بها عن مشاعري على غفلة ممن ينسبون لقب الكاتب على كل من لديه صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي.

حاولت أن أُوصل له أمنيتي الأخيرة وهو أنني أودعه كتاباتٍ لم يقرأها ذلك الذي رد على سؤاله وأثبت له أني كاتب بمجرد لفظه الإجابة التي قالها وهذا السائل غبي لم يتأكد بنفسه، لم يبحث عني شيء فيجد دليلاً واضحاً على ذلك، ولو فعل ذلك كنت توقفت عن المحاولة للعودة لأنه سيتأكد أنني ليس كاتبا ولا داعي لإثبات ذلك، وإجابة الذكاء الاصطناعي ستكون مزيفة، إذ سيقول سهيل كذا وكذا وينسب إليَّ رواية احلام مستغانمي ويا مصيبة التطور الذكاء الاصطناعي دوري!!
حتى لو قرأ كل ما تم نشره لي على هامش نشر عدد الصحف والمجلات الأدبية ومشاركاتي في الفعاليات الثقافية والأدبية، سيثبت أن كلام صاحبي حقيقي لذلك وددت أن يسمع مني
من كنت ومن انا وماذا تعني لي الحياة!
حاولت النهوض قبل الشعور بإتمام سُنة الدفن ، وأخيراً تحركت يدي ، وحركت بها الأخرى ، ثم رفعت يدي لأبعد عني وشاح الكفن وإذا بي أرى ظلمة المجهول ، فلامست يدايا حجارة اللحد ولم انتبه لاختناقي بعد ، حتى أني وجدت نفسي في وضعية الجلوس واضعاً يداي على ركبتاي فنظرت إلى اليمين وإذا بها الجنة..
تمنيت أن يكون لي أعمال صالحة في الدنيا لأكون من ورثة جنة النعيم ، ولم أجرؤ على النظر إلى يساري لأنني أدركت حقيقة الأمر..
ثم كررت محاولة النهوض من قبرٍ أنزلوني فيه وفقاً لتقرير من طبيبٍ مجهول أيضاً لم يكلف نفسه عناء تخويل أهلي لإجراء بعض الفحوصات أو استدعاء اخصائي الجلطات القلبية، صادرٌ عن إدارة مستشفى موثوق ، وقد عشت حتى آخر ثانية من توقيت مُنبه الاستيقاظ!!

حاولت الصراخ ، توقفت عن محاولة النهوض من هذا القبر الذي تقف عليه الآن لأنني أدركت أن الموت حق وعليَّ الاصغاء إلى آخر كلمة ستقال عني.

عندما رن المنبه عصراً كنت قد توقفت عن المحاولة في القبر، نهضت للوضوء بعد صلاة المغرب، والمدة الزمنية الفائتة كانت لحُلُمٍ مدعومٍ بفكرة مبتكرة من مادة الغفلة، والتي يتقنها معظم البشر دون أن تُدرس…
وبعيداً عن أسلوبيَّ اليقظة والسبات التي مصدرهما مادة الحياة والتي تُدرس في حياتنا اليومية ولم نتقنها كبشر :
رضيت بأن أكون أحد ضحايا `العالم المجهول` وكلٍّ منا يساهم في جعله مجهولاً أكثر بطريقة ما… المهم ألا يفوته/يفوتها موعد الضياع ولو كان على حساب أرواح الأحياء…
ولقد كان حلماً من خيالٍ عشته ممزوجاً بواقع متناقض متصلاً بعالم مجهول مليء بأمثال صديقي الذي ستصله رسالتي الآن
أما أنتم وبعد أن أمت بالفعل أتمنى من أحدكم أن يقول `”لقد كان إنسان”` فقط!
إنسان حاولَ أن يعبر عن مشاعره الحقيقية ذات يوم عن أفكاره الخاصة في نصٍ أنت من تضع عنوانه إذ كتبته على هامش الساعة من زمن فعالية `”آخر شيء سمعته قبل أن أُدفن حياً”`
وحاول أن تكتب مثلي الآن وشاركني إياه حتى لو سطر واحد.

سهيل عثمان سهيل/اليمن 📝
مشاركتي في فعالية/ ملتقى كتاب حول العالم/واتساب.

شاهد أيضاً

مع انتشار الآفات والسموم: لا تؤجل فحص القولون..

أسماء الجرادي عاماً بعد عام تتغير أوجاع الناس، وفي ظل تحديات هذا العالم الثقيلة، توسع …