حمار جدي.. أعَز من حكّام العرب!”

كتب إسماعيل النجار،،

الوعود الأميركية الزائفة وتاريخ الخداع الممنهج للعرب جعل حمار جدي أكرم منهم.
في إحدى القرى البقاعية العريقه، كان لجدي الفلَّاح حمار، ليس ككل الحمير. كان عنيدًا، عصبي المزاج، لا يقبل المهانة ولا يُلدغ من الجحر مرتين.
لاحظ جدي أن هذا الحمار مختلف عن باقي الحمير، فقرّر أن يروّضه بطريقة خبيثة فربطه إلى شجرة، وقرّب إليه حزمة من الحشيش، وما إن يهمّ الحمار بأكلها حتى يبعدها عنه. تكرّر المشهد، حتى فقد الحمار ثقته بجدي وبطعامه، وإتخذ قرار برفض الأكل حتى عندما وضعت الحشائش أمامه فعلاً لم يقترب منها أبداً! حتى هزُلَ جسده وأُنهك من الجوع ومات الحمار، لكنّه مات عزيزاً واقفًا، متمسكًا بكرامته، رافضًا الذلّ، معترضًا على كذب صاحبه وخداعه.
*فهل يُلام الحمار أم يُلام جَدِّي؟
أميركا مثل جدي تُعشمنا بالحشيش من دون أن تسمح لنا بالرعي! فهل تُلام أمريكا أم تُلام أمة العرب، شعوبًا وزعامات،
الحمار تعلَّم وهم لا يريدون أن يتعلموا من الدروس! ألم يتعلم العرب بعد أن الوعود الأميركية لا تُؤكل ولا تُشرب؟
*فمنذ منتصف القرن العشرين،والولايات المتحدة الأميركية تلعب دور “جدي” واعتبرت أن شعوب المنطقة تشبه حماره!يمكن قيادتها بسلسلة من الوعود البراقة، من الديمقراطية والرخاء، إلى “السلام” و”الحلول العادلة” لقضاياهم المصيرية. وكل مرة كانت الشعوب تلهث، والحكومات تُصفّق، وفي نهاية المطاف، لا شيء سوى المزيد من الهزال، والديون، والإذلال السياسي.
إليكم عدة أمثله عن وعود أميركا للعرب بالتبن الوفير.
[ مصر ] من كامب ديفيد إلى معونة الذل
وُعدت، بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل (1978)، بدعم اقتصادي لا سابق له، وتحول إلى “نموذج السلام”. صحيح أن المساعدات السنوية ما زالت قائمة، لكنها مشروطة، تُستخدم كأداة ضغط، ولم تُخرج أم الدنيا من فقرها المزمن أو تُعِدّ شعبها لدولة صناعية. مقابل ذلك، فُرض على مصر التنازل عن عمقها العربي، وعُزلت من محيطها لفترة طويلة والفَقر ضارب أطنابه فيها!.
[ الأردن ] “سلام وادي عربة”.. الذي جعل الشعب الأردني يحلم بالتبن والحشيش والتطور البطالة فيه ما زالت تنهش منازل الفقراء. فعندما وقّع الأردن اتفاقية السلام مع إسرائيل في 1994، كان على وعد بمساعدات اقتصادية ودعم سياسي وتنموي، لم يتحقق منها شيء! والفقر لا يزال يُعشش في أطراف العاصمة وعمقها، والديون تزداد، وصندوق النقد الدولي يُملي على الحكومة الأردنية كتابة كل سطر من موازنات البلاد.
[ الخليج ] صفقات سلاح بلا أمن
منذ أزمة الكويت (1990)، قدّمت أميركا نفسها كحامية للخليج، لكنها، في كل مرة، تُورّط المنطقة بصراعات تُضعفها وتعزز وجودها العسكري، دون أن تحقق لها أي سيادة حقيقية.
الوعود الأميركية بحماية الخليج لم تمنع إيران من التمدد، ولا منعت اليمن من يصبح قوة إقليميه مرعبه، ولا حمت السعودية من استهداف منشآتها، ولا ساعدت البحرين في بناء ديمقراطية حقيقية. بل كل ما قُدّم هو سلاح خردة بثمن باهظ ، وتحريض دائم على الجيران مع العلم أن البلاد مكشوفه أمنياً.
[ العراق ] أكذوبة التحرير والديمقراطية،
ففي 2003، وعدت أميركا الشعب العراقي بالحرية، والديمقراطية، والرفاه بعد إسقاط نظام صدام حسين. فماذا جنىَ العراق من هذه الوعود سوى الخيبه؟ واليوم ممنوع عليه أن يكون لديه كهرباء! وهو أغنى دولة نفطيه في الخليج ، بلد عائم على البترول. بقيَ دولة محطّمة، وفساد مستشرٍ، ونفوذ أميركي يُهيمن على القرار. قُتل فيه مئات الآلاف، وخرجت أميركا منه إسمياً بعد أن كسّرت كل شيء ولكنها لا زالت فيه بكل قوتها تتحكم بكل شيء. بوجودها أصبحت البلاد هزيلة، فعلوا بها كما فعل “جدي” مع الحمار.
[سوريا ولبنان وفلسطين] وعود بلا أرض
وعدت أميركا بدعم الثورة السورية، فإذ بها تبيع وتشتري في الشعب السوري وتدعم الإنقسامات! وتكتفي بالخطوط الحمراء هنا وهناك.
وعدت أيضاً بدعم استقرار لبنان، لكنها كانت من أبرز داعمي صندوق النقد الذي أجهز على ما تبقى من اقتصاده وزرع الفتن بين أبناؤه، كما دعمت تدمير إسرائيل لثلثي مدنه وقراه وتهجير أهلهم.
ووعدت الفلسطينيين بدولة، فإذا بصفقة القرن تسلبهم ما تبقى من أرضهم، وتعترف بالقدس عاصمة للاحتلال، وتنقل سفارتها إليها، وتغلق ممثلية منظمة التحرير! وتحاصر غزة وتدمرها وتقتل وتجرح مئتي ألف غزاوي ينامون الآن بالعراء ويتضورون جوعاً!
[ تونس وليبيا ] ربيع بلا زهر!
في الربيع العربي، باركت أميركا الانتفاضات، ووعدت بالديمقراطية، فإذا بها تسكت عن الانقلابات، وتدعم العسكريين في مصر وتونس، وتحول ليبيا إلى ساحة فوضى دائمة.
إذاً “التبن” الأميركي وهم يُباع للشعوب.
وإن كل تلك الوعود الأميركية، لم تكن سوى “تبن” يُعلَّق أمام أفواه الشعوب، لتظل تلهث خلفه، وتظن أن الخير قريب، بينما هم يتحكّمون بمصائرها. وللأسف، الزعامات العربية كانت دائمًا أسوأ من “جدي”، لأنهم لا يكتفون بسحب التبن، بل يعِدون شعوبهم بأنّ “الجوع مفيد، كما شرعَ إمام البيت الحرام بالقول لأهل غزة بأن الجوع فيه فائدة! وبطنه متخم بالأرُز ولحم الضان! وأن الانتظار فضيلة، وأن الذلّ حكمة سياسية”.
إخوتي الشباب العرب ما الفرق بين أمريكا وجدي؟ وما الفرق بين حمار جدي وبين الشعوب العربية والحكام العرب؟
الفرق أن حمار جدي مات جائعًا لكن بكرامه، مات وهو شامخ رافضاً للذُل والمهانه على يدي جدي الخبيث، بينما كثير من زعمائنا وحكامنا ماتوا وهم يمضغون الذل ويبيعون تبنًا مسمومًا لشعوبهم؟
حمار جدي لديه كرامه وعزة نفس أكثر من كل حكام العرب.
أليس حمار جدي يستحق نصب تذكاري يوضع مكان أي تمثال لزعيم إعرابي بعد تحطيمه وإقتلاعه؟
ما أحوجنا إلى عزّة حمار جدي في هذا الزمن. الذي رفض أن يكون ضحيةً خداع إلى الأبد. أما أنتم يا عرب، فكم مرة ستصدّقون نفس الكذبة؟ كم مرة ستلهثون خلف أميركا؟ وكم مرة ستقبلون الذلّ خوفًا من الموت؟
افهموا الدرس ولو متأخراً قبل أن تنهار أجسادكم كما انهار جسد الحمار،
لكن دون شرف.

بيروت في،، 1/8/2025

شاهد أيضاً

الغدير.. حين تتحول الولاية من شعارٍ يُرفع إلى منهجٍ يُمارس

  أ. محمد البحر المحضار … في كل عام يعود الثامن عشر من ذي الحجة …