آهٍ على فقيه القرآن ومُقارع التكفير والطغيان: عميد المنبر الزيدي، سيدي ومولاي بدر الدين بن أمير الدين الحوثي.

طوفان الجنيد.

في الذكرى السنوية لرحيل فقيد الأمة اليمنية والإسلامية، العالم الرباني، حُجّة الله في أرضه، سيدي ومولاي بدر الدين بن أمير الدين الحوثي، سلامُ الله ورحمتُه عليه، وطيّبَ الله ثراه، يقف أيُّ كاتبٍ عاجزًا أمام مقامه الكريم، وهامته السامقة، وجهاده وكفاحه، وتحمله الأعباء والمعاناة والاستهداف.
بين طيّات الزمان، وحين تتلاطم أمواج الفتن، وتدلهمّ خطوب الأيام، يبعث الله في الأمة رجالًا كالجبال الراسيات، يلوذ بهم الحيران، ويستضيء بنورهم السائر في ظلمات الجهل والجور. ومن أولئك العمالقة الذين تركوا في سفر التاريخ، يمنيًّا وإسلاميًّا، بصمةً لا تُمحى؛ سليل العترة النبوية، ومنارة العلم والتقى، العلامة المجاهد الزاهد، فقيه القرآن، الحُجّة العلَم، بدر الدين بن أمير الدين الحوثي، رضوان الله عليه. ذلك الجبل الأشم الذي ترجل عن صهوة الدنيا، فترك خلفه ثُلمةً في جدار الأمة لا يسدّها إلا أثرُ خطاه المباركة.
النشأة العلمية وفقيه القرآن.. عالم التقى والبيان
لم تكن حياةُ العلامة الراحل حياةً عادية، بل كانت رحلةً متواصلة من البذل والعطاء الفكري والحركي والإسهام الخيري. وُلد ونشأ في بيئة علمية يمنية أصيلة، ونهل من معارف كبار علماء عصره، حتى استوى عالمًا مجتهدًا، يُشار إليه بالبَنان في الفقه، والتفسير، والحديث، وأصول الدين.
ولم يكن فقيدُنا الراحل مجرد فقيهٍ يقلب صفحات الكتب في زوايا الصوامع، بل كان «فقيه القرآن» بحق؛ عاش مع آياته تدبرًا وتطبيقًا، وانعكست أنوار الذكر الحكيم على روحه وسلوكه، إذ كان يرى في القرآن الكريم دستور الحياة، ومنبع العزة، والبلسم الشافي لجراحات الأمة.
وتميّزت مسيرته العلمية بالارتباط الوثيق بالواقع؛ فلم يكن يرى العلم ترفًا فكريًا، بل مسؤولية دينية وأخلاقية لتغيير واقع الأمة نحو الأفضل. فتخرّج من بين يديه أجيالٌ نهلت من معارفه الغزيرة، وتأثرت بزهده وورعه، فكان نموذجًا للعالِم الرباني الذي يقرن القول بالعمل، ولا يخشى في الله لومة لائم.
مُقارع التكفير الوهابي والطغيان السلطوي وعميد المنبر الزيدي
وحين بدأت رياحُ الأفكار الدخيلة والتكفيرية تغزو الساحة اليمنية، مدعومةً بجهودٍ تهدف إلى تجريف الهوية الزيدية والإيمانية، انطلق السيد بدر الدين في رحاب الجهاد العلمي والفكري. وفي زمنٍ انحرفت فيه بوصلة الفكر، وخرجت نوابت التكفير لتمزق جسد الأمة بأفكارها الإقصائية، وقف كالطَّود العظيم في وجه هذا السيل الجارف. لم يُهادن الفكر التكفيري، ولم يُداهن أربابه، بل جادلهم بالتي هي أحسن، ودحض حججهم بمؤلفاته القيّمة، المعتمدة على الدليل والبرهان، المستمدّين من محكم التنزيل، وصحيح السنة، وعترة المصطفى.
ولم يقتصر جهاده على مقارعة الغلو الفكري، بل كان صوتًا هادرًا في وجه الطغيان والاستبداد، رافضًا الظلمَ بكل أشكاله، مدافعًا عن المستضعفين، وموقنًا بأن كرامة الإنسان هي غاية الرسالات السماوية. ولذلك لُقّب بـ«عميد المنبر الزيدي»، لأنه حمل على عاتقه إحياء تراث مدرسة آل البيت، ونشر فكرها القائم على العدل والتوحيد والجهاد ضد الظالمين. واعتلى منبر العلم والوعظ بوقار العلماء وشجاعة الأنبياء، فكان خطابه يلامس القلوب والعقول معًا، حريصًا على وحدة المسلمين ولمّ شملهم تحت راية الإسلام الجامعة.
توريث المنهج: من عرين الأسد يخرج الأشبال
إن عظمةَ العلماء لا تُقاس فقط بما خطّت أناملهم من كتب، بل بما تركوه من رجالٍ يحملون الراية من بعدهم. وقد كان السيد بدر الدين الحوثي مدرسةً ربانيةً استثنائية، نجح في توريث منهجه القرآني والجهادي لجيلٍ حمل على عاتقه تغيير مجرى التاريخ اليمني المعاصر، وفي مقدمتهم نجلاه العظيمان:
الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه):
الذي تربّى في كنف والده، ورضع من لبان علمه وشجاعته. ومن هذا النبع القرآني الصافي، انطلق ليطلق «المشروع القرآني» في زمن الصمت والهوان.
وقد وجد في مؤازرة والده ومباركته دافعًا قويًا لكسر حاجز الخوف، ومواجهة غطرسة قوى الاستكبار العالمي والطغيان المحلي. وحين تكالبت التحديات وشُنّت الحروب الظالمة، وقف الوالد الفقيه إلى جانب ابنه القائد، مؤيدًا وموجّهًا ومثبّتًا، حتى ارتقى السيد حسين شهيدًا مجيدًا، تاركًا وراءه صرخةَ حقٍّ زلزلت عروش المستكبرين.
السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله):
فبعد استشهاد الأخ الأكبر، وفي ظل ظروفٍ بالغة التعقيد والخطورة، تولّى نجلُه الآخر قيادةَ المسيرة.
وقد تجلّت فيه حكمةُ والده الفقيه، وشجاعةُ أخيه الشهيد.
وكان لحضانة السيد بدر الدين وتربيته الروحية والسياسية الأثرُ الأكبر في صقل شخصيته القيادية الفذّة، التي تمكّنت من نقل اليمن من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة القوة والتمكين، ليصبح رقمًا صعبًا في المعادلة الإقليمية والدولية، ومدافعًا صنديدًا عن قضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
آهٍ على رحيل أعلام الهدى ومنارات التقى
«آهٍ» كلمةٌ تختلج في صدور المحبين والعارفين بفضل هذا العالم الجليل.
آهٍ على غياب ذلك الوجه النوراني، وتلك الهيبة الربانية.
لقد رحل السيد بدر الدين بن أمير الدين الحوثي جسدًا، بعد أن أُثقل بسنين الجهاد وأعباء الدفاع عن الحق، لكنه بقي فكرًا، ومنهجًا، ومدرسةً تستلهم منها الأجيال معاني الصمود، والعلم، والجهاد الفكري والأخلاقي والثوري.
إن العزاء في رحيل هذا الطَّود الأشم هو ذلك الإرث العظيم الذي تركه: من مؤلفاتٍ قيّمة، وتلاميذَ مخلصين، وتوأمةٍ عظيمة بين علم الوالد، واستشهاد الابن القائد، وحكمة وشجاعة السيد القائد الحالي.
وهي مسيرة شكّلت سيمفونيةً من الصمود الإيماني، غيّرت وجه اليمن، وجسّدت قيم آل بيت رسول الله، صلوات الله عليه وآله، في مقارعة الطغيان ونصرة المستضعفين.
رحم الله فقيه القرآن، وعميد المنبر، وقدّس روحه الشريف، وأسعدنا الله ببركاته، مع النبيين والصديقين والشهداء وأوليائه الصالحين.
وبهذه المناسبة، نرفع آيات العزاء والمواساة إلى الأمة الإسلامية، وإلى كل أحرار اليمن الميمون، وإلى مقام سيدي ومولاي السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، سلامُ الله عليه وحفظه الله بحفظه، وإلى كافة الأسرة الكريمة.
وعظّم الله أجر الجميع.
إنا لله وإنا إليه راجعون

شاهد أيضاً

تصريحات ” جوزيف عون الصهيونية” وتحليلها:

🖋️ رضوان حسين وعيل 1. «على “إسرائيل” أن تظهر بعض الالتزام والرغبة بإنهاء الحرب وحان …