أ. محمد البحر المحضار …
في كل عام يعود الثامن عشر من ذي الحجة حاملاً معه سؤالاً أكبر من مناسبة، وأعمق من احتفال، وأوسع من ذكرى تاريخية.
يعود الغدير ليسأل كل فردٍ منا: ماذا فعلنا بالولاية بعد أن أعلنّاها؟ وماذا بقي من عهد الغدير في واقعنا وسلوكنا ومؤسساتنا وأعمالنا؟
فالغدير، في جوهره، لم يكن مجرد حدثٍ يُروى، ولا مناسبةٍ تُستعاد تفاصيلها في المجالس والخطب والاحتفالات، بل كان إعلاناً لمشروعٍ متكامل يقوم على الحق والعدل والأمانة وتحمل المسؤولية.
وحين رفع رسول الله صلى الله عليه وآله يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أمام الأمة، لم يكن يقدّم لها اسماً فحسب، بل كان يقدّم نموذجاً للحاكم العادل، والمسؤول الأمين، والقائد الذي يجعل من خدمة الناس عبادةً ومن إقامة الحق رسالةً لا تتبدل.
ومن هنا فإن التولي الحقيقي لا يُقاس بارتفاع الشعارات، ولا بكثرة الكلمات، ولا بحجم الاحتفالات، وإنما بمدى حضور قيم الإمام علي عليه السلام في حياتنا العامة والخاصة.
فالولاية ليست خطاباً يُقال، بل موقفاً يُترجم، وليست ادعاءً يُرفع، بل سلوكاً يُمارس.
كيف نعلن الولاء لأمير المؤمنين عليه السلام ثم نرضى بالظلم؟
وكيف نتغنى بعدالته ثم نصمت عن الفساد؟
وكيف نحتفي بالغدير بينما تضيع الحقوق أو تُعطل المصالح أو تُقدَّم المنفعة الخاصة على المصلحة العامة؟
إن أعظم احتفاء بالغدير ليس في الكلمات وحدها، بل في أن يتحول نهج الإمام علي إلى ثقافة عمل، وأن تصبح الأمانة معياراً للمسؤولية، والكفاءة أساساً للتكليف، والنزاهة شرطاً للقيادة، وخدمة الناس غايةً لكل موقعٍ ومنصب.
إن الأمة التي تؤمن بالغدير مطالبة بأن تجعل من قيمه مشروعاً يومياً في الإدارة والاقتصاد والتعليم والقضاء والخدمات وفي مختلف شؤون الحياة.
فالفساد لا ينسجم مع الولاية، والعبث لا يلتقي مع نهج علي، والتقصير لا يمكن أن يكون عنواناً لمن يدّعي السير على درب أهل البيت عليهم السلام.
*#أما_بعد …*
إذا كان الغدير قد مثّل يوماً إعلان الولاية، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نحوّل هذه الولاية إلى واقعٍ معاش، وأن نجسدها عدلاً وإنصافاً وأمانةً وإصلاحاً.
فالإمام علي عليه السلام لم يطلب من الناس أن يحبوه بالكلمات فقط، بل أن يلتزموا بالحق الذي مثّله، وأن يسيروا في الطريق الذي رسمه، وأن يجعلوا من قيمه منهجاً للحياة وبناء الأوطان وصيانة حقوق الإنسان.
فهنئاً لمن جعل من الغدير التزاماً قبل أن يجعله احتفالاً، ومنهجاً قبل أن يجعله شعاراً، ومسؤوليةً قبل أن يجعله مناسبة.
*#رُفِعَت_الجَلْسَة …*
*مدير عام مكتب التخطيط – م/شبوه*
*#البحر_المحضار …*ما
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
