تجدد التمركز الروسي في شمال شرق سوريا – القامشلي.

12/6/2025
أشرف التهامي.

من أهم التطورات التي أعقبت سقوط نظام الأسد في سوريا انسحاب القوات الروسية من قواعدها المختلفة في جميع أنحاء البلاد، وتمركز وجودها بشكل كبير في قاعدة حميميم قرب اللاذقية وقاعدة طرطوس غربي سوريا.
فمع وصوله إلى السلطة، اتخذ النظام الجديد في سوريا موقفًا متشددًا تجاه روسيا، مما أثار شكوكًا حول مستقبل الوجود الروسي في البلاد.
وفي إطار هذه التطورات، قلّصت روسيا بشكل كبير وجودها العسكري في سوريا، حيث نقلت قواتها وأنظمة الأسلحة والسفن البحرية والطائرات والمعدات الأساسية إلى قواعد أخرى في المنطقة.
كما وسّعت وعززت منشآتها العسكرية في ليبيا، ربما كخطة طوارئ في حال انسحابها الكامل من سوريا. ومع ذلك، بحلول أوائل عام 2025، ظهرت بوادر تحول في هذا الاتجاه ، وأشارت تقارير متعددة إلى أن روسيا وسوريا دخلتا في مفاوضات بشأن الحفاظ على الوجود العسكري الروسي في البلاد. ومع ذلك، حتى يونيو/حزيران 2025، لم يتم تحقيق أي تقدم يُذكر، ولا تزال القوات الروسية متمركزة رسميًا في القاعدتين المذكورتين سابقًا.
من المهم التذكير بأن الوجود العسكري الروسي في سوريا، الذي استمر لعقود وكان مستقرًا في معظمه، بالغ الأهمية لموسكو، إذ يُشكل ركيزة استراتيجية محورية لها في الشرق الأوسط، تخدم مصالحها العسكرية والسياسية والاقتصادية والدينية، وتُمكّنها من تعزيز نفوذها الإقليمي.
مع ذلك، تشير تقارير مختلفة في سوريا خلال الأشهر الأخيرة إلى احتمال سعي روسيا لإيجاد حل آخر لاستمرار وجودها في سوريا، حل لا يعتمد حاليًا على النظام الجديد.
مطار القامشلي شمال سوريا.
ووفقًا لهذه التقارير، مدعومةً بمؤشرات إضافية، يبدو أن روسيا تسعى إلى ترسيخ موطئ قدم جديد لها في مطار القامشلي شمال سوريا. ويتعزز هذا الافتراض في سياق زيارة وزير الخارجية التركي إلى روسيا قبل نحو ثلاثة أسابيع، والتي ناقش خلالها الطرفان هذه المسألة، وفقًا لتقديرات مختلفة.
في هذه المرحلة، ليس من الواضح ما إذا كانت النية هي استبدال قاعدة حميميم أو تشغيل قاعدة القامشلي بالتوازي معها.
يُعد مطار القامشلي، الواقع بالقرب من الحدود التركية في منطقة تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، موقعًا مألوفًا للروس. منذ عام ٢٠١٦، حافظت القوات الروسية على وجودها هناك، حيث أنشأت قاعدةً استضافت على مر السنين مروحيات هجومية من طراز Mi-8 وMi-35 تُستخدم لحماية الدوريات المشتركة مع تركيا.
كما ضمت القاعدة الجوية طائرات شحن وناقلات جند مدرعة ودبابات وأنظمة مراقبة، وحتى مستشفى ميدانيًا. وكانت قوات الشرطة العسكرية الروسية (وهي قوات مشاة فعلية) مسؤولة عن حماية القاعدة.
يبدو أن روسيا تعيد ترسيخ وجودها في القامشلي. ابتداءً من مارس ٢٠٢٥، بدأت بنقل القوات والمعدات والأنظمة المختلفة إلى القاعدة عبر رحلات شحن من حميميم.
هذا وتكثفت عمليات النقل هذه بين أبريل ويونيو ٢٠٢٥، حيث خضعت القاعدة خلال هذه الفترة لترقيات في بنيتها التحتية وتعزيز كبير لقدراتها الأمنية والدفاعية. حاليًا، تستضيف القاعدة بشكل رئيسي مروحيات قتالية (تشير التقارير تحديدًا إلى مروحيات Ka-52)، بينما لا تبقى طائرات الشحن متمركزة هناك بشكل دائم.
يمكن الافتراض أن هذه التحركات نُفذت بالتنسيق مع جزء على الأقل من قوات سوريا الديمقراطية، استنادًا إلى وجود عدد لا بأس به من العناصر الأكراد غير راضين عن الاتفاق المبرم مع النظام، والذي لم يُنفذ بالكامل في هذه المرحلة.
و تجدر الإشارة إلى أنه حتى بعد التوقيع بين الطرفين، لا تزال هناك اشتباكات، بل ومعارك، بين قوات النظام ومقاتلي قوات سوريا الديمقراطية، كما
تجدر الإشارة أيضًا إلى أن التمركز الروسي المتجدد في القامشلي يتزامن مع إخلاء القواعد الأمريكية في سوريا.
إن مغادرة القوات الأمريكية، التي كانت تعمل بشكل رئيسي في المنطقة الكردية، تضع الأكراد في موقف صعب في مواجهة التهديدات التركية من جهة، وضرورة التوصل إلى تفاهمات مع نظام الشرع من جهة أخرى.
أي أن هذا قد يكون بالنسبة للأكراد محاولةً لإيجاد دعم جديد في مواجهة التهديدات التي تواجههم، بينما تُعدّ روسيا رافعةً إضافيةً لتحسين وضعها في مواجهة النظام الجديد في سوريا.
كما تجدر الإشارة إلى أن روسيا اتُهمت مرارًا بدعم ما يسمى بفلول نظام الأسد محور المقاومة في سوريا، وتوفير المأوى لهم في قواعدها، وتزويدهم بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية لشنّ هجمات ضد النظام في المنطقة الساحلية السورية.
من جهة أخرى، تبذل الولايات المتحدة والغرب جهودًا لتقليص النفوذ الروسي في سوريا وإبعاد النظام الجديد عنها. وقد طُرح هذا الموضوع سابقًا كأحد العوامل التي ستؤثر على مستقبل سوريا فيما يتعلق برفع العقوبات، ونقل المساعدات الاقتصادية، واستمرار إعادة تأهيل البلاد.
التنسيق الروسي التركي في سوريا.
إلى جانب روسيا والأكراد والغرب، تلعب تركيا دورًا محوريًا في هذه التطورات. فبفضل نفوذها الكبير في سوريا ومصالحها الواضحة، لا سيما فيما يتعلق بالقضية الكردية، تعمل تركيا أيضًا كوسيط ومضيف للمفاوضات بين أوكرانيا وروسيا. لذا، يُمكننا الافتراض أن روسيا تُنسّق مع تركيا أيضًا، وإن كانت تفاصيل هذا التنسيق والأهداف المشتركة للطرفين لا تزال غير واضحة حتى الآن.

شاهد أيضاً

الخداع الأمريكي والصهيوني مكشوف، وإيران تقلب الطاولة على الأعداء وتبني مرحلة جديدة لصالح محور المقاومة

يكتبها: محمد علي الحريشي تبجح العدو الصهيوني وزادت نشوته في تحقيق حلمه ببناء دولته الكبرى، …