عن هرم ماسلو .. أزماتنا ..وتحقيق الذات

بقلم هيام فرج

عام 1943 وضع العالم الأميركي ” أبراهام ماسلو ” – وهو أحد أشهر علماء النفس-نظرية الدافع البشري ” وهي نظرية لخصت الإحتياجات الإنسانية ورتبتها ضمن خمسة مستويات في هرم عرف بهرم ماسلو ويشير هذا التسلسل الهرمي إلى أن الأشخاص لديهم رغبة فطرية في تحقيق ذواتهم , ولتحقيق هذه الرغبة, لا بد من تلبية مروحة من الإحتياجات الأساسية .

يتدرج ” هرم ماسلو ” في الإحتياجات البشرية صعودا من القاعدة وصولا الى رأس الهرم وفق الأهمية , أدناها الإحتياجات الفيزيولوجية كالحاجة الى الهواء والماء والطعام والجنس والنوم ... أما تحقيق الذات فينفرد بقمة الهرم .تحت القمة مباشرة هناك الحاجة للتقدير وتتجلى في الرغبة الى تحقيق المكانة الإجتماعية المرموقة والمنصب المهني الرفيع مما ينعكس على الشخص قوة وثقة بالنفس وإحتراما وتقديرا من الآخرين . بعد القاعدة مباشرة تأتي الحاجة إلى الأمان كالحاجة الى الإحساس بالأمان الجسدي في محيط خالٍ من العنف , والأمن النفسي والمعنوي , والأمن الصحي والأمن الوظيفي أو المالي . في وسط الهرم تماما نجد الحاجة الإجتماعية وتتضمن حاجة الإنسان الى الحب والعلاقات العائلية الجيدة والحاجة الى الأصدقاء والرغبة في الإنتماء .

يقول ” ماسلو ” أن لا إستطاعة للفرد أن يحقق ذاته ما لم يحقق أول أربعة مستويات من الهرم

إستند ماسلو في نظريته هذه الى الى البحوث المعمقة لمجموعة من الأشخاصتمكنوا من تحقيق ذواتهم ووصلت إمكاناتهم الى حدها الأقصى من التحقيقمثل : آينشتاين , روزفلت ,لينكولن وبيتهوفنمن خلال دراسة سلوكياتهموسيرهم الذاتية. أما سجلنا فمليء بمبدعين عاشوا الفقر وكابدوا الجوع , كالجاحظ والعقاد , ومنهم إضافة الى فقرهم عانوا من الاضطهاد السياسيففقدوا الحاجة الى الأمان كناظم حكمت وأمل دنقل وأحمد فؤاد نجم .وهؤلاءبالطبع الإستثناء.

في عالمنا العربي الذي يناضل يوميا أمام عاداته وتقاليده وثوابته التي كثيرا ماتشكل قيدا أمام تقدمه, غالبا ما تبدونظرية الدافع البشري وكأنها عكسيةومتداخلة  . بحيث ينشأ الفرد على فكرة تحقيق الذات منذ الصغر ومنهايستطيع تحقيق التقدير والاحترام ثم تأمين إحتياجاته الطبيعية بعد أن يكونسبق له أن حقق أمانه المالي فيصل أخيرا الى تحقيق حاجاته الإجتماعية منتكوين أسرة وصداقات.

في السنوات الأخيرةعندما عصفت الأزمات بلبنان تغيرترتيب الاحتياجات لدى أفراد الشعب . فالأزمة الإقتصادية والنقدية والإنهيار المالي وسرقة أموال المودعين ألغت ثلاثة مستويات من الهرم وأبقت على الإثنين الأولين , فبرزت بقوة الحاجة الى الأمان والسلامة عندما انهار الأمن الوظيفي في ظل إنهيار العديد من مرافق العمل وبالتالي تسريح الموظفين بأعداد كبيرة , والأمن الصحي في ظل غلاء كلفة الطبابة والإستشفاء وإختفاء العديد من الأدوية واحتكارها إضافة الى إنعدام الأمن الغذائي في ظل الغلاء الجنوني للأسعار.وبرزت الحاجة الإجتماعية فتجلت من خلال التكافل الإجتماعي ومحاولة مساندة الجميع للجميع .وسقطت الحاجة الى التقدير كما الحاجة الى تحقيق الذات .

ألقت جائحة كورونا بثقلها فزادت الأزمات أزمة جديدةسقطت الحاجة الإجتماعية من هرم ماسلو بل أصبحت عبئا على الأشخاص وولدت خوفا جراء الإختلاط والإحتكاك , فأصبح الإبتعاد عن الناس هو الحاجة الملحة بهدف الأمن الجسدي والصحي . كما استمر الخوف على الأمن الغذائي والصحي والوظيفي متصدرا للمشهد.

أما اليوم ونحن نعيش هذه الحرب منذ أكثر من أربعة أشهر, يعيش المواطنونأسوأ إرتباكا نفسيا , فغابت مستويات ثلاثة من هرم ماسلو وتعزز المستويين الأخيرين : المستوى الفيزيولوجي ومستوى السلامة والأمان

يبدو أن هرم ماسلو ليس هرما ثابتا في كل الأحوال وإنما متحركا وفق الأزمات,أما الثابت فالإحتياجات الطبيعية التي يجب أن يحصل عليها الفرد أينما كان وفي أي بقعة من الأرض, والحقوق الطبيعية تتجاوز الحقوق الفيزيولوجية وتتخطاها الى إحتياجات الأمان , فمن ذا الذي يبحث عن تحقيق الذات وهويفترش الوحل ويلتحف الصقيع بين القتلى والنار؟ سلام الله على نبينا إبراهيم عليه السلام إذ يقول في دعائه  عندما قدم الأمان على الطعام : ” رب إجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من …الثمرات “ .

شاهد أيضاً

سلسلة ثقافة الأدب الشعبي المعاصر – (ج / 28 ) و نظرية قراءة التاريخ من معطيات الحاضر

الباحث الثقافي وليد الدبس كأبرز مفردات الوجود و الإنتماء عبر الحقب الزمنية – كظاهرة القرنين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *