الديك الكسول

 خضر حيدر 

في الضيعة، ونحن صغار، كانت الوالدة توقظنا مع صياح الديك لنتحضَّر لبدء نهارٍ جديد، فنذهب إلى المدرسة شتاءً، وإلى الكرمِ صيفًا، بعباراتٍ لا يزال نغمها يطربني كلَّما تذكَّرتها: “قوموا يا عيوني، أضهرت الدني” (صار الوقت ظهرًا)، فنهبُّ من أسرَّتنا على عجل.
كان أذانِ الفجرِ منبِّهًا لها، تستيقظ لدى سماعه، وتقوم إلى الصلاة مترعةً بالشكر والبسملة، فيما صياح الديك المنبعث من قنٍ في بيت الجيران، يعلن أنَّ انبلاج الضوءِ قد حان. وهكذا صار الصياح بوابة للصباح، وبعد حين، صار بالنسبة إليَّ منبِّهًا للذاكرة.
***
مرَّت سنوات، ألفيتُ نفسي بعدها في بيروت، منتقلًا من حضن الأمومة الدافئ، إلى حضن المدينة المتوهّج. وهكذا افتقدتُ نظام الاستيقاظ من النوم بيد الوالدة الحانية، لكنني صرتُ على تماس مع صياح ديك كسول.
هذا الديك جاورني سنوات في منطقة “الحمرا”، وكان يتضحى في النوم، فلا يصيح إلَّا في وقتٍ تكون فيها الشوارع قد اشتعلت بالحياة، وحتى الآن لم أعرف سر صياحه ظهرًا، ولا مهنة صاحبه الذي يبدو أنه لا يدرك معنى طلوع الضوء، ولا نغم السكون المترافق مع بزوغ الفجر، ولا حفيف النسيم إذ يدغدغ أوراق الشجر.
***
ذهب الزمان الذي كان فيه الديك رمزًا لدقة الوقت، حيث أجلسهُ صنَّاع الساعات معزَّزًا على رؤوس العقارب. كما اختلف شعار النشاط الذي حمَّلني إياه ديك الجيران في الضيعة زوَّادة إلى المدينة، مظهرًا أن اختلاف نظام الحياة يوجب اختلاف طبائع ناسها.
في كل مكان وزمان ديك، على كل مفترقٍ يصيح، وحين تستقر الأمور، ينطوي في خيبته.
فالوقتُ كالسيف، ذو حدين: حدِّ الحياة، وحد الّلاحياة.

شاهد أيضاً

** إيران على قلب رجل واحد **

  أشواق مهدي دومان إيران كأنك تستمع لرجل واحد ، كأنك تقرأ فكر رجل واحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *