الإعلامية جمانة كرم عياد
ليلةُ العاشر من محرّم… ليست ليلةً عابرة في سجلّ الزمن، بل زلزالٌ كونيٌّ شقَّ التاريخ نصفين: ما قبل كربلاء، وما بعدها.
في تلك الساعات الثقيلة، لم تكن الخيام نائمة، بل كانت القلوب مشتعلة بالإيمان، والسماء تُصغي لرجالٍ قرّروا أن يكتبوا معنى الخلود بدمهم.
في تلك الليلة، جمع الإمام الحسين أصحابه وأهل بيته، وأسقط عنهم كل قيدٍ دنيويٍّ قائلًا:
«إني قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعًا في حلٍّ، ليس عليكم مني ذمام»
فتح لهم باب الحياة… فاختاروا باب الآخرة. عرض عليهم النجاة… فاختاروا الشهادة.
لم يكن في تلك الليلة نوم، بل وداعٌ مهيب:
وداعُ الأخ لأخيه، والأب لولده، والأمّ لرضيعها.
وكانت زينب ترى المشهد بعينٍ ثابتة وقلبٍ مكسور، تسمع وصيّة أخيها:
«يا أختاه، إذا متّ فلا تشقّي عليَّ جيبًا ولا تخمشي عليَّ وجهًا»
وصيّة الصابر للرسالة، لا للجراح.
في تلك الليلة، كان العباس بن علي يهيّئ سقايته، لا ليشرب، بل ليحمل الأمانة حتى آخر قطرة.
وكان علي الأكبر يشدّ على رمحه، وكأنّه يشدّ به عمود السماء.
وكان القاسم بن الحسن يضمّ خاتم زفافٍ لن يُلبس على الأرض… بل في الجنّة.
كلّهم كانوا يعلمون أن فجر الغد لن يطلع عليهم إلا شهداء.
ليلة العاشر لم تكن ذكرى، بل منهجًا:
حين يُخيَّر الإنسان بين الذلّ والحق… ماذا يختار؟
الحسين وأصحابه قالوها بملء الدم: هيهات منّا الذلّة.
اختاروا كلمة الحق في وجه سلطانٍ جائر، ولو كان ثمنها الأجساد المقطّعة.
في تلك الليلة تعلّمنا أن العدد لا يصنع النصر، وأن 72 في مواجهة آلافٍ يمكنهم أن يقلبوا ميزان التاريخ.
وتعلّمنا أن الشهادة ليست نهاية الطريق، بل بدايته.
اليوم، أين نحن من ليلة العاشر؟
نحن نعيش عاشوراءاتٍ صغيرة كل يوم:
كلّ مرّة نختار الحق على المصلحة،
كلّ مرّة نقول «لا» للظلم،
نكون قد أحيينا ليلة العاشر من جديد.
السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين… الذين بذلوا مهجهم دون الحسين.
جنوب لبنان
اليوم، نقف في الجنوب عند المفصل ذاته: يا ذلّ… يا كرامة.
بين التهجير والثبات، بين الخوف والصمود، بين الباطل والحق… لم نختر إلا درب الحسين.
هذا الجنوب علّمنا أن البيوت قد تُهدَم فتُبنى من جديد،
لكن الكرامة إن ضاعت لا تعود.
ولهذا نبقى على العهد، نردّدها كما ردّدها الحسين: هيهات منّا الذلّة.
عظّم الله أجوركم، وجعلنا وإيّاكم من السائرين على نهج كربلاء.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
