محمد نجيب رائد كتابة المذكرات التاريخية في أربع نسخ متناقضة

بقلم: عمرو صابح

تحول كتاب «كنت رئيساً لمصر» للواء محمد نجيب إلى المرجع الأساسي لكل خصوم ثورة 23 يوليو 1952، حتى بدا وكأنه الرواية النهائية والحاسمة لتاريخ الثورة وأزماتها الداخلية. غير أن نظرة متأنية إلى مذكرات محمد نجيب تكشف أن الأمر أكثر تعقيداً، وأن الرجل لا يمكن اعتباره شاهداً محايداً أو عدلاً على الأحداث التي كان أحد أطرافها الرئيسية.
فمحمد نجيب لم يترك مذكرات واحدة، بل أربع روايات مختلفة صدرت على امتداد ثلاثين عاماً تقريباً، وتولى صياغتها ثلاثة كُتّاب مختلفين، الأمر الذي أفرز اختلافات وتناقضات واضحة في سرد الوقائع وتقييم الأشخاص والأحداث.
بدأ مسلسل مذكرات نجيب بكتاب «مصير مصر» الصادر بالإنجليزية عام 1955، والذي صاغه الصحفي الإنجليزي لي وايت. وقد ظلت النسخة العربية غائبة عن القارئ المصري لعقود طويلة قبل أن تصدر مترجمة عام 1995. وتكتسب هذه النسخة أهمية خاصة لأنها الأقرب زمنياً إلى أحداث الثورة وأزمة مارس 1954، قبل أن تتراكم الخصومات السياسية وتتغير الظروف وتُعاد كتابة الوقائع من جديد.
واللافت للنظر أن محمد نجيب أهدى هذه النسخة إلى رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد، أحد أشهر رجال بريطانيا في العالم العربي وأكثرهم عداءً لجمال عبد الناصر وثورة يوليو، وهو ما يكشف جانباً من أفكار وتوجهات محمد نجيب.
وفي عام 1975 صدرت النسخة الثانية من مذكراته بعنوان «كلمتي للتاريخ»، وقد قام بصياغتها الضابط الحر والمؤرخ أحمد حمروش.
أما النسخة الثالثة والأشهر فكانت «كنت رئيساً لمصر»، التي صدرت عام 1984، وهو العام نفسه الذي توفي فيه محمد نجيب بعد أن تجاوز الثالثة والثمانين من عمره. وقد قام بصياغة الكتاب الكاتب الصحفي عادل حمودة، لتصبح المرجع الأكثر تداولاً بين خصوم ثورة يوليو، رغم أنه لم يكن سوى تنقيح جديد لرواية سبق أن قُدمت بصيغ مختلفة.
ثم عاد عادل حمودة بعد ذلك بعام واحد ليصدر كتاب «الوثائق الخاصة بالرئيس نجيب» عام 1985، متضمناً وثائق ومذكرات وأوراقاً جديدة للرئيس الأسبق، بما جعله بمثابة نسخة رابعة من روايته للأحداث.
والأكثر إثارة للانتباه أن عادل حمودة أدرج في الصفحات الأخيرة من كتاب «الوثائق الخاصة بالرئيس نجيب» قائمة بمؤلفاته، وجاء ضمنها كتاب «كنت رئيساً لمصر» باعتباره واحداً من مؤلفاته.
مما يفتح باباً واسعاً للتساؤل حول حجم الدور الذي لعبه عادل حمودة في صياغة الكتاب، وحول الحدود الفاصلة بين ما هو شهادة لمحمد نجيب وما هو معالجة صحفية أو إعادة صياغة للنص، خاصة وقد صدر الكتاب والرئيس نجيب في أيامه الأخيرة.
وعند مقارنة الكتب الأربعة المنسوبة إلى محمد نجيب، يكتشف الباحث بسهولة أن الرجل لم يترك شهادة واحدة مستقرة عن الأحداث، بل ترك روايات متعددة تختلف في كثير من التفاصيل والاستنتاجات والتقييمات. فبعض الوقائع ترد بصيغ متباينة، وبعض الأحكام تتغير من مرحلة إلى أخرى، بما يجعل التعامل مع هذه المذكرات باعتبارها شهادة نهائية أمراً بالغ الصعوبة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما ورد في كتاب «الوثائق الخاصة بالرئيس نجيب» من نشر لمقتطفات مفكرته الخاصة خلال عام 1968. وتكتسب هذه الوثائق أهمية خاصة لأنها ليست ذكريات أُعيدت كتابتها بعد عقود، بل يوميات معاصرة للأحداث كتبها نجيب بنفسه.
وتكشف هذه المفكرة عن صورة تختلف كثيراً عن الصورة الشائعة التي جرى الترويج لها لسنوات طويلة. فاليوميات تظهر أن محمد نجيب كان يتحرك خارج منزله، ويزور أصدقاءه، ويتردد على البنك، ويقضي احتياجاته اليومية، ويعالج كلابه لدى الطبيب البيطري، كما كان لديه سائق خاص وحارس وخادمة، وهم الأشخاص الذين وصفهم بـ«الثلاثة الأوفياء».
مما يكشف أن الصورة المرسومة له باعتباره سجيناً معزولاً ومقهوراً لا تتفق بالكامل مع الوثائق المنشورة بخط يده.
وإذا كانت التناقضات بين النسخ الأربع من مذكرات محمد نجيب تثير الشكوك حول دقة شهادته، فإن الوثائق المنشورة في الأجزاء الستة من كتاب «الأوراق الخاصة للرئيس جمال عبد الناصر» تضع علامات استفهام أكبر حول كثير من المزاعم التي روج لها لاحقاً.
فقد نشرت هدى جمال عبد الناصر عدداً من الخطابات بخط يد الرئيس محمد نجيب، بعثها إلى الرئيس جمال عبد الناصر خلال سنوات حكمه، وهي خطابات لا تعكس علاقة ضحية بجلاد كما حاول نجيب أن يوحي فيما بعد.
ففي هذه الرسائل كان محمد نجيب يتقدم بطلبات مادية وأسرية مختلفة إلى عبد الناصر، وكانت تلقى الاستجابة، كما تضمنت عبارات دعاء لعبد الناصر بالنصر والتوفيق والسداد والتأييد. والأهم من ذلك أن هذه الوثائق كُتبت في وقت الأحداث نفسها، لا بعد عقود من وقوعها ولا بعد أن تبدلت الظروف السياسية. ولذلك فإنها تتمتع بقيمة تاريخية أكبر من الذكريات المتأخرة التي أُعيدت صياغتها مرات متعددة.
ومن حق الباحث أن يتساءل: أيهما أقرب إلى الحقيقة؟ خطابات كتبها محمد نجيب بنفسه وقت وقوع الأحداث، أم روايات متأخرة ومتغيرة صدرت بعد ذلك بسنوات طويلة؟
إن هذه الوثائق تضيف سبباً جديداً للتشكيك في مصداقية شهادته التاريخية.
والحقيقة أن الأزمة لا تتعلق فقط بتناقض المذكرات، بل تتعلق أيضاً بالدور السياسي الذي لعبه محمد نجيب نفسه بعد نجاح الثورة. فالرجل لم يكن مؤسس تنظيم الضباط الأحرار، ولم يكن قائده الفعلي، ولم يكن صاحب فكرة الثورة أو مخططها الرئيسي.
لقد اختاره الضباط الأحرار ليكون واجهة للحركة بسبب رتبته العسكرية ومكانته داخل الجيش، بينما كان تأسيس التنظيم وقيادته وإدارة حركته من صنع الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر.
ومع تطور الأحداث دخل محمد نجيب في خلافات حادة مع أغلب أعضاء مجلس قيادة الثورة، حتى أصبح على خصومة مع معظم رفاقه الذين شاركوه إسقاط النظام الملكي. ولم يكن الصراع مجرد خلاف شخصي، بل صراعاً سياسياً حول السلطة واتجاه الدولة الجديدة.
وخلال تلك الأزمة تحالف محمد نجيب مع معظم القوى المناوئة للثورة أو المتضررة من سياساتها، من الأحزاب التقليدية إلى الشيوعيين، وصولاً إلى جماعة الإخوان المسلمين، مروراً بعدد من رموز العهد الملكي القديم. ورفع شعار الديمقراطية والعودة إلى الحياة النيابية، لكن هذا الشعار كان جزءاً من معركة سياسية كان هو نفسه أحد أطرافها الرئيسية، وسعى من خلالها إلى تعزيز موقعه السياسي والبقاء في موقع السلطة.
ولعل محمد نجيب يكاد يكون حالة فريدة في التاريخ السياسي المصري، بل والعالمي، من حيث تعدد صائغي مذكراته وتبدل رواياته عبر الزمن. فمذكراته لم تخرج في صيغة واحدة مستقرة، وإنما أعاد رواية قصته أكثر من مرة وعلى مدى ثلاثة عقود، وتولى صياغتها ثلاثة كُتّاب مختلفين هم: لي وايت، وأحمد حمروش، وعادل حمودة. ومع كل نسخة جديدة كانت تظهر إضافات وحذوفات وتغييرات في الوقائع والأحكام والمواقف السياسية.
ولهذا فإن التعامل مع محمد نجيب باعتباره شاهداً عدلاً على تاريخ ثورة يوليو يظل أمراً محل شك كبير. فهو لم يكن مؤرخاً محايداً، بل خصماً سياسياً مباشراً لأغلب قادة الثورة، كما أن روايته للأحداث تبدلت مع تبدل الأزمنة والظروف السياسية. ومن ثم فإن مذكراته تظل مصدراً من مصادر التاريخ، لكنها لا يمكن أن تكون الحكم النهائي عليه.

شاهد أيضاً

إلغاء قرار ٢ آذار

علم “المرفأ” أنّ التواصل غير المباشر بين رئاسة الجمهوريّة وحز ب الله، عبر مدير عام …