أنقذتني الكتب، كما فعل الحب وقال الشعر

 زاهر العريضي 

كان ذلك ما يشبه المعجزة. أن تتراءى لك ومضات الأمل وانت على وشك فقدان المعنى..
يغدو لك الجرح حبل نجاة. وتخرج من بين الاوراق  منهكاً بعد معارك صامته.. هنا حب يشفيك في احتواء الهشاشة. كأنك عثرت للتو على محبرة من الخيال فتتمدد روحك مع اشتعال الومضات…

في اليوم التالي، تتعثر في كينونتك وأنت تمضي في جموحك المتوحش للتملك… يخذلك جسدك،،،

على تلك الاريكة تغفو بجانبك الكتب المتناثرة،،، تحدثك عن الألم… وكم أنت هشاً..

تنقذك الهلوسة،،، كأنك بركة ماء… تأخذك الى مرآتك المخفية،،، الى ظلك المتخفي، الى عالمك المجهول…

لم أكن سوى مداميك لأخطاء متكدسة،،، وهذا العالم فعل خطيئة… أيتها الحقيقة المتوارية في الكتب، أيتها الآلآت الذكية،،، هل سمعت أحاديت الموتى،،، أصوات الناجين، سر الأمهات، هل قالوا لك كم من نهر دماء،،، كم من قضية فداء… ودرب جلجة،،، وكم من ربيع وشتاء،،، هل قالت لك الكتب كل الأشياء … هل باح لك الحب روعة اللقاء… أيتها الالة الذكية… ماذا قالوا لك عن الآلهة .. عن الانوثة … عن الاساطير .. وأول الكلام وآخر الاحلام.. كيف أختصروا لك … الآف السنين بلغة واحدة … هل تعلمت تاريخ اليد… وتاريخ الحب …

هل أفشت لك الاقدام أسرار الدروب… عن شهداء الحرية … عن سجناء القضية … لن أسألك عن الأشجار .. وسأترك لك البحر وطيور النورس وموانىء الانتظار…

لا حرية مع الخوف، حين نتحول الى نفايات بشرية، سنخرج من القمامات كفيروسات متعطشة للعناق.

انقذني الحب، حين أكتشفت أن العالم بحاجة الى قبلاتنا، الى دروب النشوة، ومقامات المتعة، الى طريق ضحكاتنا، الى سنابل قمح اجسادنا، الى دوالي النهود المكتنزات… الى تلك الارتعاشات والشهوات والارتجافات… الى تلك الانفاس …

تنفس أيها التائه في بحر الجامد … تنفس أيها الموغل في الزمن المهدور، تأمل أيها المساكش، هذا العالم بحاجة الى الحلم، الى أشياء صغيرة وافعال بسيطة، الى نهم الحب، الى صوت يكسر الرتابة، الى الموسيقى، هل خذلتك الموسيقى أيها المتعالي،

أنا لحن قديم، أردده قبل أن يأتي الجحيم، أغمض عينيك لترى…

أنقدتني الكتب، حين أنتشلتني من وحل الهويات القاتلة، حين حررتني من اقنان الموروثات الجامدة ومن أغلال الأفكار القاتلة…

خرجت من تلك القصص المنسية، من تلك الاساطير المدهشة، من هذه الرويات القاسية، من كلمات المهمشين، من قهر المسحوقين،

أنقذني الشعر … من مستنقع الخيبات والهزائم… من تلك الصناديق المقفلة، كنت على مسافة الموت… أنقذني واخذ بيدي الى الضفة الأخرى وتركتني بين زمنين…

هذا العالم بحاجة الى انتصارات جانبية، أن نلعب من أطفالنا بعيداً عن الشاشات، أن نعيد أسئلتهم،،، ونكتشف لغتهم، وأن نبحث عن اجوبتنا معهم، أن نركل هذا العالم كما نركل الطابة…

كان كل ذلك على محمل الجد، تحت سطوة الجشع، كاننا مكعبات ثلج في قوالب… ونسينا مواعيدنا مع القمر،،، وقهوتنا مع الشمس، وتنهداتنا مع المطر… كأننا نسينا كيف نكون بشر…

أيها الرجال الأليين .. أيتها النساء الاليات… أيها العالم … نحن العبيد الجدد .. لن ينقذنا الا الحب …

زاهر العريضي

شاهد أيضاً

تجربة الزعيم عبدالناصر

خميس القطيطي جمال عبدالناصر ورث دولة محتله دولة تفتقد الكثير من عناصر القوة، اضافة الى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *