مضيق هرمز بين المسؤولية البيئية والعدالة الدولية

 

بقلم: محمد بن علي بن ضعين البادي

لطالما كانت القيمة الأخلاقية الأولى للرحّالة وعابري السبيل في فِجاج الأرض، هي أن يغادروا المكان كما وجدوه؛ فيجمعون مخلفاتهم ويسوّون أثر خطاهم قبل الرحيل، امتنانًا لأرضٍ استضافتهم، وتحملاً لمسؤولية أمانتها. واليوم، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وفيما تنتظر السفن العالقة في مضيق هرمز شارة البدء للتحرك نحو وجهاتها بعد أشهر من التوقف، يبرز سؤال أعمق من مجرد ترقب عودة الحركة البحرية: من يمحو أثر العابرين؟ ومن يتحمل مسؤولية ما خلّفته هذه الأحداث في جوف البحر؟
قد يُقال إن المضيق يقع ضمن المياه الإقليمية لسلطنة عُمان، وبالتالي فإن مسؤولية التنظيف والمعالجة تقع على عاتقها وحدها. لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية؛ وهي أن السلطنة لم تكن سببًا في هذه الأحداث، ولم تكن طرفًا في الصراع الذي أدى إلى هذا التوتر البحري وما ترتب عليه من آثار بيئية محتملة. ومن هنا، فإن تحميلها وحدها عبء المعالجة لا يستقيم مع المنطق، ولا يتسق مع مبادئ العدالة الدولية.
إن القواعد الأخلاقية والقانونية تقتضي أن تتحمل الدول أو الأطراف التي تسببت في أي ضرر بيئي عابر للحدود مسؤولية إزالة آثاره وتعويض المتضررين عنه. فالتلوث البحري، وما قد ينتج عنه من تدمير للشعاب المرجانية، أو نفوق للكائنات البحرية، أو اضطراب في النظام البيئي لأحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، ليس شأنًا محليًا محدودًا، بل هو قضية دولية بامتياز.
وفي هذا السياق، تبرز فكرة أكثر عمقًا تتعلق بالمسؤولية البيئية للسفن العابرة للممرات البحرية. فمع ازدياد الحركة التجارية والنفطية في منطقة الخليج، أصبح من الضروري التفكير في ابتكار آليات تمويل بيئي مستدام، لا تقتصر على رسوم العبور التقليدية، بل تمتد إلى ما يمكن تسميته بـ”رسوم حماية البيئة البحرية”، وهو نظام ليس بجديد في الفكر القانوني والبيئي، بل هو سياقٌ معمول به ومطبّق في كثير من دول العالم التي تفرض مثل هذه الرسوم لحماية شواطئها ومياهها، بحيث تُسهم هذه الموارد في تمويل عمليات مراقبة وتنظيف البحار، وتعزيز جاهزية الدول المطلة على هذه الممرات لمواجهة أي طارئ بيئي.
وهنا يبرز تساؤل يدعو إلى التأمل والمراجعة؛ فالمجتمعات والدول تسخر طاقات هائلة لحماية البيئة البرية، وتخصص الميزانيات والعمال والمركبات المتطورة لتنظيف اليابسة وإزالة شوائبها يومياً لحفظ رونقها وصحة سكانها، بينما تُترك الممرات البحرية الحيوية تواجه مصيرها الصامت تحت وطأة التلوث العابر والتجاهل، رغم أن هذه البحار ليست مجرد مساحات مائية ممتدة، بل هي مخازن حية تفيض بالخيرات والثروات الهائلة التي تغذي البشرية، وتعتمد عليها اقتصادات دول بأكملها، مما يجعل إهمال صيانتها وحمايتها مفارقة غير منطقية تتطلب وقفة دولية جادة.
أما من قد يتحفّظ على هذا المقترح بحجة أن السفن تعبر مضيق هرمز منذ عقود دون فرض رسوم بيئية، فالإجابة تكمن في أن الواقع قد تغيّر تماماً؛ إذ يُقدّر عدد السفن اليوم بالمئات يوميًا، وحجم النشاط النفطي والتجاري تضاعف بشكل هائل، ومعه تضاعف الأثر البيئي غير المباشر والمتراكم. وبالتالي، فإن الاستمرار في تطبيق منطق قديم على واقع جديد لم يعد أمرًا عادلاً ولا كافيًا.
ومن هنا، فإن هذه الرسوم المقترحة ليست مجرد “ضريبة عبور”، بل هي مساهمة بيئية إلزامية تعكس حجم الاستفادة من الممر البحري، وتحمّل النشاط البحري جزءًا من كلفته البيئية الحقيقية، بدلاً من أن تتحملها الدول الساحلية بمفردها.
ومن الناحية الفنية والبيئية، تشير دراسات متعددة إلى أن بعض السفن تستخدم مياه الاتزان لضبط توازنها أثناء الإبحار، ثم تقوم بتصريفها لاحقًا في البحر. وقد تحمل هذه المياه رواسب، أو ملوثات دقيقة، أو كائنات غازية غير أصلية، إضافة إلى الآثار المحتملة للبقايا الهيدروكربونية داخل خزانات السفن، مما يشكل تهديدًا حقيقيًا للنظام البيئي البحري إذا لم يُنظّم الأمر بشكل صارم وفق المعايير الدولية.
ومع كثافة الحركة البحرية في هذه المنطقة الحساسة، تبرز أهمية تعزيز تطبيق اتفاقيات المنظمة البحرية الدولية الخاصة بإدارة مياه الاتزان ومنع التلوث البحري، إلى جانب تطوير أدوات رقابية وتمويلية أكثر فاعلية لحماية البيئة البحرية واستدامتها.
إن حماية البحار لم تعد مسؤولية دولة واحدة أو ساحل بعينه، بل هي مسؤولية عالمية مشتركة. فالممرات البحرية ليست مجرد طرق نقل صمّاء، بل هي أنظمة بيئية واقتصادية متداخلة، وأي خلل يصيبها سينعكس على الجميع دون استثناء. ومن هذا المنطلق، فإن العدالة البيئية الحديثة تقوم على مبدأ واضح ومستقيم: من يعبر ويستفيد، يساهم في الحماية والإصلاح، حتى لا تتحول حركة التجارة العالمية إلى عبء صامت تتحمله البيئة وتدفع ثمنه الأجيال القادمة.

شاهد أيضاً

رئيس” تيار الفكر الشعبي ” الدكتور فواز فرحات يشارك في افتتاح معرض “من ذاكرة المكان” بمجدل عنجر

​لبّى الدكتور فواز فرحات والدكتور عبدالله الجراح ، الأستاذ كمال الميس دعوة رئيسة تلاقي الجمعيات …