
خميس القطيطي
جمال عبدالناصر ورث دولة محتله دولة تفتقد الكثير من عناصر القوة، اضافة الى ما كانت تعانيه مصر في ظل النظام الملكي وسيطرة الاحتلال الذي كان يحاصر قصر الملك ليفرض تعيين رئيس وزراء موال للاحتلال ما يعني غياب السيادة الوطنية وهيمنة فئة قليلة من ذوي النفوذ ورأس المال على السلطة والثروة، وتجاهل الامم المتحدة لقضية الجلاء، وانتهاكات قوات الاحتلال الانجليزي وعمليات القمع الدموية التي تعرض لها قسم الشرطة في الاسماعيلية وحريق القاهرة الذي التهم مساحات كبيرة ومراكز ثقافية وفنية والملك وحاشيته يعيشون في حالة بذخ بعيدين عن أحوال الشعب، اضافة الى قيام اضطرابات داخلية وصراع دموي بين الإخوان المسلمين وحكومة النقراشي، وقيام حرب فلسطين التي خسرها العرب، ولا ننسى
تقليص حجم وحدات الجيش الوطني بعد فرض الحماية البريطانية على مصر واغلاق المدارس الحربية والبحرية، وفقدان العدالة الاجتماعية بين طبقات الشعب وسوء توزيع ثروات الوطن.
قامت ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م على ستة مبادئ القضاء على الإقطاع. القضاء على الاستعمار. القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم. إقامة جيش وطني قوي واقامة نظام ديمقراطي، فأستطاع هذا الزعيم ومجلس قيادة الثورة تأسيس جمهورية يحسب لها حساب على الصعيد الدولي، فقد تمكن الرئيس جمال عبدالناصر في بداية حكمه من أزالة الاحتلال الانجليزي الجاثم على مصر عندما وقع اتفاقية الجلاء عام 1954م واستطاع ايضا أن يقدم خدمة كبيرة للفلاح المصري الذي يمثل غالبية أبناء الشعب المصري فألغى الاقطاع وسن قانون الاصلاح الزراعي ومنح الفلاح المصري قطعة أرض يستصلحها ويسترزق منها وهذا يعد من صميم رسالة الدين الاسلامي الحنيف، فمصر كانت عبارة عن اقطاعية لملاك الاراضي، ومن منجزات عبدالناصر انه اعتمد على الذات الوطنية فقام بإنشاء 1200 مصنع تعتبر باكورة الصناعة المصرية والتي اعتمدت عليها مصر في الصناعة الحديثة، بل انه عهد عبدالناصر طرق مجال الصناعة الحربية فقد كانت هناك ارادة وعزيمة وتصميم لجعل مصر والامة العربية تتبوأ مكانتها الحقيقية، كذلك عبدالناصر منح الفلاحين نسبة تمثيل في مجلس الشعب وحقق للزراعة المصرية اعظم مشروع في ذلك الوقت وهو السد العالي، ويكفي مصر والعرب فخرا أن تمكن عبدالناصر من انتزاع دعما لبناء السد العالي من البنك الدولي رغم رفض امريكا في بداية الامر وهذا بحد ذاته يمثل ثورة متكاملة فقد تمكن جمال عبدالناصر من تحدى تلك القوى الامبريالية بما كان يمتلك من مميزات الزعيم الثوري الذي يتسلح بالارادة القوية، وفي عام 1956م أعلن عبدالناصر تأميم قناة السويس وارجاعها للملكية المصرية وعلى اثر ذلك شنت انجلترا وفرنس واسرائيل عدوانا على مصر أستطاع عبدالناصر الخروج من ذلك العدوان الثلاثي عام 1956 بنجاح سياسي كبير .
وعلى الصعيد الخارجي تمكن من تأسيس مؤسسة عدم الانحياز مع رئيس وزراء الهند والرئيس اليوغسلافي وهو شيء يحسب للزعيم عبدالناصر بل أن عبدالناصر تمكن من أن يضع القطب السوفييتي في خندق العرب ومد الدول العربية بالاسلحة ووقف مع قضايا الوطن العربي لمجابهة المد الرأسمالي، كذلك ساند عبدالناصر حركات التحرر في الوطن العربي، وهي الدول العربية التي وقفت بقوة في حرب اكتوبر 73 في دعم الانتصار المصري العربي الذي تحقق في اكتوبر ١٩٧٣م، فقد أعد جمال عبدالناصر العدة منذ اليوم الاول لهزيمة يونيو ١٩٦٧م وزود الجيش بجميع الاسلحة وكانت حرب الاستنزاف المقدمة الحقيقية لحرب اكتوبر ٧٣م، فشمل الاعداد لحرب استعادة الكرامة مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية، بل كانت الامة العربية عن بكرة أبيها تنتظر تلك المعركة .
هناك الكثير من انجازات عبدالناصر التي لا يتسع المقام لذكرها وخاصة على الصعيد الداخلي من جسور ومدن صناعية وصناعة سيارات وقطع حربية وتنظيم الدولة المصرية وفي مجال الاذاعة والتلفزيون وقناة القران الكريم وتجميع اسطوانات القراءة لمشائخ القراء المصريين، وأقر الدعم لجميع السلع الاستهلاكية التي يحتاجها الشعب المصري، بل كان في عهده قرار مجانية التعليم والصحة والضمان الاجتماعي لجميع الاسر الفقيرة، والاهم من ذلك من هو عبدالناصر هو انسان بسيط من عائلة بسيطة توفي ولم يوجد في جيبه سوى 84 جنيه مصري ولا يمتلك سيارة حتى منتصف فترة رئاسته، وهو انسان نزيه ونظيف لم تستهويه تلك المظاهر ولكنه كان يقف شامخا قويا وسط ظروف دولية عصيبة ليعلي مفهوم القومية العربية والوحدة العربية والامن القومي العربي .
نعم هناك اخطاء ولا يوجد انسان معصوم من الخطأ إلا الانبياء والرسل، فمن الاخطاء انه اعتمد في قرار الحرب عام 1967م على استشارة القائد العام للقوات المصرية ولم تكن مصر جاهزه لتلك الحرب ولم تكن الظروف مهيئاة، ولكنه كان يأمل في تحقيق انتصار للعرب على قوى الاستكبار العالمي وكيان الاحتلال الصهيوني، وبعد هزيمة يونيو ٦٧م أعلن عن تحمل مسئوليته تجاه تلك الحرب وأعلن استقالته، ولكن الجموع الغفيره من أبناء الشعب المصري أجبرت عبدالناصر على العودة تلبية” لمطالب تلك الجماهير الغفيرة .
عبدالناصر زعيم قومي عربي أراد لهذه الامة المجد ورسم خطوط الكرامة والعزة في مشروع صادق وبارادة صلبة وعزيمة قوية واقتفى أثره الملايين من الجماهير العربية التي أحبت هذا الزعيم رحمة الله عليه، فقد كان يمثل حلقة الميزان للقادة العرب ويجتمع الجميع على محورية مصر ودور عبدالناصر المؤثر على القادة والشعوب العربية، وهذا من اسرار وعناصر قوة هذا الزعيم، فكانت محوريته ومركزيته والتفاف الجماهير من حوله ونموذجه الوطني العروبي الثوري يسبب قلق لكيان الاحتلال والقوى الدولية التي تحاول الهيمنة على الوطن العربي، وفي ذروة حرب الاستنزاف جعل الاحتلال يستجدي ابرام اتفاق سلام مع عبدالناصر خمس مرات وهذا باعتراف تلفزيوني مسجل لشيمون بيريز رئيس وزراء الكيان الاسبق، لكن عبدالناصر كان دائما يرفض ذلك لان السلام في نظره بالتخلص من الاستعمار وتحرير كامل الاراضي العربية من الجولان الى الضفة الى قطاع غزة وأخيرا سيناء فرفض كل عروض السلام مع العدو دون تحقيق تلك الشروط، رحم الله عبدالناصر وأسكنه فسيح جناته .
خميس القطيطي
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net