أصبحت اماً لألف طفل رغم موت أطفالها ال٢٤

 وُلدت في أربعينيات القرن التاسع عشر، وسط جبال الحدود بين فرجينيا ونورث كارولاينا، داخل كوخ خشبي صغير لا يعرف أهله القراءة ولا يملكون شيئًا يُكتب عنه.

▪︎ حتى اسمها كان يُكتب بطريقة مختلفة في كل تعداد سكاني؛ مرة “أوليناه”، ومرة “بولين”، ومرة “أورلينا”، لأنها لم تتعلم القراءة أو الكتابة يومًا، ولم تكن قادرة على تصحيح ما يُكتب عنها. لكن أهل الجبل كانوا يعرفونها باسم واحد فقط: “العمة أورلين”.

▪︎ في السادسة عشرة من عمرها تزوجت من جون بوكيت، واستقرا قرب الجبال حيث كانت عائلته تعمل بالزراعة.

▪︎ وبعد عام واحد فقط، غادر زوجها للحر*ب الأهلية بينما كانت تحمل طفلهما الأول.

▪︎ وُلدت طفلتها الأولى “جوليا آن” عام 1862، لكنها تو*فيت بعد سبعة أشهر فقط بسبب مر*ض الد*فتير*يا.

▪︎ لم تكن تعلم أن تلك الخسا*رة ستكون بداية سلسلة طويلة من الأ*لم.
▪︎ خلال السنوات التالية، أنجبت أورلين 23 طفلًا آخر. بعضهم وُلد ميـ*تًا، وبعضهم عاش ساعات قليلة، وآخرون لم يتجاوزوا أيامًا معدودة. لم ينـ*جُ أي طفل من أطفالها الأربعة والعشرين.

▪︎ لاحقًا، رجّح الأطباء أن السبب كان مر*ضًا حيث يها*جم جسم الأم أطفالها دون أن تدري. لكن في القرن التاسع عشر لم يكن لهذا المر*ض اسم، ولا علا*ج، ولا تفسير… كان هناك فقط الصـ*مت والمقا*بر.
▪︎ أول عشرين طفلًا دُ*فنوا في مقـ*برة العائلة تحت حجارة بسيطة بلا أسماء. أما الأطفال الأربعة الأخيرون فدُ*فنوا في مقـ*برة أخرى بعد انتقال العائلة عام 1875.

▪︎ أربعة وعشرون قـ*برًا متجاورًا… بلا أسماء…
▪︎ الكلمة الوحيدة التي نُقلت عنها قالت فيها: “كنت سأكون ممتنة لو شاء الله أن يعيش واحد فقط من أطفالي.”

▪︎ ومع بلوغها الخمسين تقريبًا، توقّف حملها. وكان من الطبيعي أن تنغلق على حز*نها وتبتعد عن الناس، لكن ما حدث غيّر حياتها بالكامل.

▪︎ في عام 1889، دخلت إحدى جاراتها في مخا*ض صـ*عب، ولم يكن هناك طبيب أو قا*بلة قريبة.

▪︎ سار الزوج ليلًا عبر الغابات حتى وصل إلى منزل أورلين وطرق الباب طالبًا مساعدتها.
▪︎ حملت حقيبتها الجلدية… وذهبت.
▪︎ نجت الأم. وعاش الطفل.

▪︎ في تلك الليلة تغيّر شيء داخل أورلين إلى الأبد. وكأن الله منحها طريقًا آخر للأمو*مة… ليس عبر أطفالها، بل عبر إنقا*ذ أطفال الآخرين.

▪︎ على مدار تسعة وأربعين عامًا، جابت كل القرى تعمل كقابلة لمساعدة النساء على الولا*دة.

▪︎ كانت تمشي لساعات طويلة أو تمتطي بغلها الأبيض، تقطع أحيانًا أكثر من عشرين ميلًا في يوم واحد، وسط الثلوج والعو*اصف والضباب الكثـ*يف.

▪︎ وعندما كانت الطرق الجبلية تتـ*جمد من الجليد، كانت تد*ق المسا*مير أسفل حذائها حتى لا تسقـ*ط أثناء السير.

▪︎ حقيبتها الصغيرة كانت تحتوي على مقـ*ص وخيوط وشاش وقطرات للعين وقليل من البراندي.

▪︎ لم تطلب المال يومًا، ولم تر*فض مساعدة أي عائلة مهما كانت ظروفها.
▪︎ بحلول عام 1939، كانت قد ساعدت في أكثر من ألف ولادة.
▪︎ والأمر الذي حيّر الجميع أنها، طوال تلك السنوات، لم تفقد أمًا واحدة… ولم تفقد طفلًا واحدًا… ولا مرة واحدة، رغم أنها كانت تعمل في مناطق فقيرة ومعز*ولة بلا معدات طبية حديثة.
▪︎ كانت في التسعينيات من عمرها — وربما تجاوزت المئة — عندما ساعدت في آخر ولا*دة لها.
▪︎ وفي العام نفسه ،تمت مصا*درة منزلها لإكمال المشروع. وبعد ثلاثة أسابيع فقط من مغادرتها بيتها، رحـ*لت أورلين عن الدنيا في 21 أكتوبر عام 1939.
▪︎ الأشخاص الذين حضروا جنا*زتها كانوا في الغالب أولئك الذين ساعدت في ولادتهم بيديها.
▪︎ اليوم، ما زال كوخ صغير محفوظ في جنوب فرجينيا تخليدًا لذكراها، كما يحمل معهد اسمها ويواصل دعم الأمهات والأطفال حتى اليوم.

▪︎ لم يُكتب لها أن تحتفظ بأي طفل من أطفالها.
▪︎ لكنها قضت حياتها كلها لتتأكد أن ألف أم أخرى استطعن ذلك.

 

شاهد أيضاً

النازحون في لبنان… عندما يصبح الوطن ذكرى مؤقتة

أميرة سكر  في كل حرب، لا تقتصر الخسائر على الحجر، بل تمتد لتطال الإنسان وكرامته …