بقلم: أمين السكافي .
ليست مأساة لبنان أنه بلد صغير، ولا أنه يقع في قلب منطقة لم تعرف الاستقرار منذ عقود، فثمة دول أصغر مساحة وأشد فقرًا استطاعت أن تصنع لنفسها مكانًا محترمًا بين الأمم. المأساة الحقيقية أن لبنان، كلما اقترب من فرصة تاريخية، تعامل معها كأنها محطة عابرة، ثم عاد إلى الدوران في الحلقة ذاتها، حتى أصبحت الأزمات جزءًا من حياته اليومية، وصار الاستثناء الوحيد فيه هو غياب الاستقرار.
كأن هذا الوطن كُتب عليه أن يقف دائمًا عند أبواب الاحتمالات، دون أن يجرؤ على الدخول إليها.
فمنذ إعلان دولة لبنان الكبير، ثم نيل الاستقلال، لم تكن المشكلة يومًا في نقص الإمكانات. كان يملك ما يكفي ليكون مركزًا اقتصاديًا وثقافيًا وماليًا للمشرق العربي. موقع جغرافي استثنائي، ومرافئ تطل على شرق المتوسط، وجامعات خرّجت آلاف الكفاءات، ومغتربون صنعوا نجاحاتهم في القارات الخمس، ومجتمع يمتلك من الحيوية ما يكفي لتحويل الأزمات إلى فرص.
لكن السياسة كانت، في كل مرة، أقوى من الدولة.
ولعل الخطأ الأول لم يكن اقتصاديًا ولا أمنيًا، بل كان في تعريف الوطن نفسه.
هل لبنان دولة ينتمي إليها الجميع بالتساوي، أم مساحة تلتقي فيها الطوائف عند الضرورة وتفترق عند أول استحقاق؟
هذا السؤال، الذي لم يجد جوابًا حاسمًا منذ الاستقلال، ظل يرافق الجمهورية في كل أزماتها، حتى أصبح الخلاف على هوية الدولة يسبق الخلاف على إدارتها.
وحين تغيب الدولة الجامعة، تتقدم الولاءات الأخرى.
تصبح الطائفة ملاذًا، والزعيم مرجعية، والخارج سندًا، بينما تتراجع المؤسسات إلى الصفوف الخلفية. وعندها، لا تعود السياسة وسيلة لبناء الوطن، بل تتحول إلى إدارة دائمة للتوازنات والهواجس، وكأن اللبنانيين محكومون بالعيش في هدنة داخلية أكثر منهم في شراكة وطنية.
ولم يكن غريبًا، في ظل هذا الواقع، أن يراهن كل فريق على الخارج.
مرة على الشرق، ومرة على الغرب، ومرة على الإقليم، وكأن اللبنانيين لم يتعلموا أن الدول الكبرى لا تمنح صداقتها مجانًا، ولا تخوض معارك غيرها إلا بمقدار ما تخدم مصالحها. وبين تبدل العواصم المؤثرة وتغير موازين القوى، كان لبنان يدفع، في كل مرحلة، ثمن رهانات لم تكن في معظمها رهاناته الوطنية.
وعلى الضفة الأخرى، كان الاقتصاد يسير في الاتجاه نفسه.
ازدهرت الخدمات، وتوسعت المصارف، وارتفعت أسعار العقارات، حتى ظن اللبنانيون أنهم يعيشون معجزة اقتصادية. لكن خلف هذه الصورة اللامعة، كانت القطاعات المنتجة تتراجع، والزراعة تتقلص، والصناعة تكافح للبقاء، فيما كانت الديون تكبر بصمت، والاقتصاد الحقيقي يفقد توازنه عامًا بعد عام.
ولذلك، لم يكن الانهيار المالي الذي شهده لبنان مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة لمسار طويل من السياسات الخاطئة، وضعف الرقابة، وغياب المحاسبة، وتقديم المصالح الخاصة على المصلحة العامة.
فالدول لا تنهار في ليلة واحدة.
إنها تنهار تدريجيًا، حين يصبح الفساد أسلوب حكم، والمحاصصة قاعدة إدارة، والمؤسسات أدوات نفوذ بدل أن تكون مؤسسات دولة.
وفي الملف الأمني، لم يكن المشهد أقل تعقيدًا.
فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي، وجد نفسه منذ نشأته في قلب الصراع العربي الإسرائيلي، ثم في قلب الصراعات الإقليمية المتلاحقة. وتعرض لاحتلالات واعتداءات وحروب تركت آثارًا عميقة في بنيته السياسية والاجتماعية. ومن الطبيعي أن تنشأ حول كيفية حماية الوطن رؤى مختلفة، لكن المشكلة أن هذا النقاش بقي، في معظم مراحله، جزءًا من الانقسام الداخلي، بدل أن يتحول إلى حوار وطني ينتج استراتيجية يتوافق عليها اللبنانيون ضمن إطار الدولة ومؤسساتها.
ولعل أكثر ما يدعو إلى التأمل أن معظم الكوارث التي أصابت لبنان لم تكن مفاجئة.
التحذيرات كانت موجودة.
والأرقام كانت واضحة.
والخبراء قالوا ما ينبغي قوله.
لكن ثقافة التأجيل كانت دائمًا أقوى من ثقافة القرار، حتى أصبح اللبنانيون يؤجلون الحلول إلى أن تتحول الأزمات إلى انهيارات، ثم يبدأ الجميع رحلة البحث عن المسؤول بعدما يكون الوطن قد دفع الثمن.
واليوم، يقف لبنان مرة أخرى أمام لحظة مفصلية.
فالمنطقة تتغير بوتيرة متسارعة، والخرائط السياسية تعاد قراءتها، والتحالفات لم تعد ثابتة كما كانت، فيما يواجه لبنان تحديات مالية وأمنية وسياسية تتطلب رؤية تتجاوز الحسابات الضيقة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى:
هل يتعامل اللبنانيون مع هذه المرحلة بوصفها فرصة أخيرة لإعادة بناء الدولة، أم يكررون العادة القديمة نفسها، فيبددون فرصة جديدة كما بددوا ما سبقها؟
إن أخطر ما خسره لبنان لم يكن احتياطاته المالية، ولا مؤسساته المنهكة، بل ثقة المواطن بدولته. وهذه الثقة لا تستعاد بالخطب، ولا بالمؤتمرات الدولية، ولا بالوعود الموسمية، بل حين يشعر اللبناني أن القانون يحميه، وأن القضاء ينصفه، وأن الإدارة تخدمه، وأن الوطن يتسع للجميع.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن الجغرافيا ليست قدرًا، وأن التاريخ لا يمنح الشعوب فرصًا بلا نهاية. وكل وطن يكرر أخطاءه، يدفع ثمنها مضاعفًا في المرة التالية.
أما لبنان، فما زال يمتلك فرصة للنهوض، لا لأنه محظوظ، بل لأن فيه طاقات بشرية هائلة، وانتشارًا عالميًا استثنائيًا، وإرثًا ثقافيًا وحضاريًا قلّ نظيره في المنطقة.
لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى واقع ما لم ينتصر اللبنانيون لفكرة الدولة قبل أي فكرة أخرى، وللمواطنة قبل الطائفة، وللمؤسسات قبل الأشخاص.
فالأوطان لا تنهض بكثرة الفرص، بل بحسن استثمارها.
ولبنان لم يكن يومًا فقيرًا في الفرص…
كان، وما يزال، فقيرًا في القدرة على اغتنامه
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
