النازحون في لبنان… عندما يصبح الوطن ذكرى مؤقتة

أميرة سكر 

في كل حرب، لا تقتصر الخسائر على الحجر، بل تمتد لتطال الإنسان وكرامته وشعوره بالانتماء. وفي لبنان، لا تزال آلاف العائلات تعيش مرارة النزوح بعد أن دُمِّرت منازلها وقراها، فأصبح العديد منها عاجزًا عن العودة إلى أرضه في ظل غياب الظروف المناسبة لإعادة بناء ما تهدم واستعادة مقومات الحياة الطبيعية.

لقد فقد بعض النازحين منازلهم التي احتضنت ذكرياتهم لعقود، كما فقدوا مصادر رزقهم وأعمالهم التي كانت تشكل أساس استقرارهم ومعيشتهم. فهناك عائلات لم تخسر المأوى فقط، بل خسرت أيضًا أرزاقها وممتلكاتها وسبل تأمين احتياجاتها الأساسية، مما جعلها تواجه تحديات كبيرة تتطلب دعمًا واسعًا ومستمرًا على المستويين الوطني والدولي.

ومن أكثر الفئات تأثرًا بهذه الأزمة الأطفال، الذين وجدوا أنفسهم بعيدين عن منازلهم ومدارسهم وبيئتهم الطبيعية. فقد أدى النزوح إلى اضطراب مسيرتهم التعليمية، حيث يواجه العديد منهم صعوبات في الالتحاق بالمدارس، أو متابعة التعليم بشكل منتظم بسبب بُعد أماكن الإقامة الجديدة، أو الضغط على المؤسسات التعليمية المستقبِلة، أو الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها عائلاتهم. إن انقطاع الأطفال عن التعليم لا يعني فقدان الدروس فقط، بل قد يؤدي إلى آثار طويلة الأمد على نموهم النفسي والاجتماعي وفرصهم المستقبلية.

لذلك، فإن دعم تعليم الأطفال النازحين يجب أن يكون من الأولويات، من خلال تأمين مقاعد دراسية مناسبة، ودعم المدارس والمعلمين، وتوفير بيئة تعليمية آمنة تساعد الأطفال على استعادة الشعور بالاستقرار والأمل. فالتعليم ليس مجرد حق أساسي، بل هو وسيلة لحماية مستقبل هؤلاء الأطفال وتمكينهم من بناء حياة أفضل.

ولا تقتصر آثار النزوح على الجانب المادي فحسب، بل تمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية، حيث يعيش الأطفال وكبار السن وسائر أفراد العائلات حالة من القلق وعدم اليقين بشأن مستقبلهم. لذلك، فإن مساعدة النازحين يجب أن تتجاوز الاستجابة الطارئة لتشمل برامج تضمن لهم حياة كريمة، وتأمين الرعاية الصحية، وفرص العمل، إضافة إلى دعم جهود إعادة الإعمار التي تتيح لهم العودة الآمنة إلى قراهم.

إن قضية النازحين هي قضية إنسانية ووطنية تستحق أن تبقى حاضرة في الوعي العام. فمساندتهم ليست مجرد تقديم مساعدات، بل هي تعبير عن التضامن والمسؤولية المشتركة تجاه مواطنين فقدوا الكثير ويحتاجون إلى الأمل والفرصة لاستعادة حياتهم.

كما أن المجتمع الدولي مدعو إلى مواصلة دعمه للبنان في هذه المرحلة الصعبة، عبر تعزيز الجهود الإنسانية والتنموية والمساهمة في إعادة الإعمار، لأن حماية كرامة الإنسان ومساعدته على النهوض مسؤولية تتجاوز الحدود.

فالنازحون لا يطلبون سوى فرصة للعودة إلى بيوتهم، واستعادة مصادر رزقهم، وضمان مستقبل أطفالهم في بيئة آمنة وكريمة. إن الوقوف إلى جانبهم اليوم هو استثمار في مستقبل أكثر استقرارًا وإنسانية للجميع.

أميرة سكر
١٨ تموز ٢٠٢٦

شاهد أيضاً

على دروب الغيم

ايهاب ديراني  _أيُّها الموغِلون في دَمي، العابِثونَ بِغفوةِ الشمسِِ في سُهادي! ردّوني إلى بِلادي! ردّوني …