حزب الله في شبابه الاربعين؛ تأسيس ثان وارتقاء الى مستوى المهمة … أم إلى مخزن الذكريات الجميلة في كتب التاريخ..

ميخائيل عوض

– نحن حاضرون دائماً ان نقدم أرواحنا وفلذات أكبادنا من أجل وطننا وشعبنا كل شعبنا لأننا قوم نخاف يوم القيامة ولان الله سيسألنا عن الناس وعزتهم وكرامتهم وأمنهم
– نحن نؤمن ان حب الناس والدفاع عنهم والحفاظ على كرامتهم وانقاذهم من الوضع المعيشي الكئيب الذي يعيشون فيه هي من أقرب القربات الى الله تعالى.  “من كلمة السيد نصرالله في اولى ايام عاشوراء”.

يقول منظرون وكتاب مشهود لهم وانتربيولوجيون؛ ان اعمار الاحزاب والزعماء وحقبها تنضبط على النحو الاتي؛

في السنوات الست الاولى مرحلة الطفولية والمراهقة والافكار المتفلتة والاستراتيجية الحالمة، وفي الست الثانية التمكن والشروع بتحقيق الاهداف، والثالثة الاختبار في السلطة او في المهمات الاستراتيجية، وبعدها تبدأ اعراض الشيخوخة والترهل والانقلاب على الاهداف والبرامج فالسلطة مفسدة وتحقيق الغايات ينسف المبررات والمشروعيات.

ويقول بعضهم ان اعمار الدول وحقباتها؛ في العشرين الاولى قوية وجذابة وفي الثانية بليدة وتعتاش على انجازات الاولى وفي الثالثة تدخل الشيخوخة لتصير الرابعة حقبة انهيارها وتداعيها.

في قراءة التجارب المعاشة تتثبت تلك النظريات ويثبتها الشواذ عن القاعدة. وبين ابرز واعظم تجارب الشواذ التجربة الكوبية، منذ النشأة إلى  السيطرة والتمكن والاستمرار والتجدد والمواجهة المفتوحة التي ربما تسببت باستمرارها شابة ولو بعمر ٦٣ سنة فلم تظهر بعد عليها مؤشرات الشيخوخة والتداعي..

اين يقع حزب الله في شبابه الاربعين؟؟

كثيرة هي عناصر التشابه بين التجربة الغيفارية وتجربة حزب الله لجهة النشوء والبنية واعمار المؤسسين وحقب الطفولية والتمكن وحقبة التعقل وليس مصادفة ان كثير من منظري التجربة الكوبية يرون في السيد نصرالله نموذج كاسترو وفي نموذج الشهيد سليماني جيفارا القرن الواحد والعشرين برغم اختلاف العقيدة.

فحزب الله عبر من عشرية الطفولية الى عشرية الانجازات، التي مهرت بدماء ذكية وفي اعلى مراتبها الامين العام السيد عباس الموسوي وقد ورث السيد حسن نصرالله القائد النوعي الشهيد عباس الموسوي الذي لم تمنحه اسرائيل فرصة انجاز الانتقال برغم انه اسسها واطلق مشروعها وثقافتها وقيمها.

مع السيد نصرالله تراكمت الانتصارات والانجازات والتعقل والبراغماتية وارساء المؤسسات وقواعد التفكير التفاعلي الجماعي وبشخصه تحققت كاريزما قيادة من صنف لا تلدهم الامم بالدزينات.
في اربعينيته يمكن الجزم بان حزب الله ومقاومته حقق انجازات عبقرية واعجازية، وترك بصمة على جبهة تاريخ ومستقبل الامه والشرق اسهمت في تأسيس وطلاق حقبة ولادة العالم الجديد المعاشة اليوم، وما كانت لتكون الانتصارات الاعجازية وفي اهمها نصر ال٢٠٠٠ وبعده نصر٢٠٠٦ وتحقيق التحريرين والانتصارين لولا طبيعة الحزب وانتظامه الحديدي وبنيته الثقافية والعقيدية” وكما اكد السيد نصرالله واسهب التوكل على الله الذي لم يخذل الحزب والمقاومة قط “والتمرس في فهم الواقع والتعامل معه بحكمة واقتدار، وبثورية في اللغة واللسان وفي التجربة والممارسة مشهودة له.
اما تهمة التعامل مع ايران والتمويل الايراني وعلاقاته بسورية فهي ذاتها سيقت للنيل من المقاومات والثورات واصلاً هي من طبائع الحياة وقواعد وقوانين الصراع فلا داع لمناقشتها اصلاً ولا لتضييع الوقت.
وفي تجربته حتى الاربعين قدم نموذجاً خاصاً، واستثنائياً فبرغم توفر كل شروط الحكم مباشرة او بالواسطة والواجهات وقد توفرت له كاملة الا انه تعفف عن قرار مسبق وتصميم واتكل على سورية حتى انسحابها وبعدها قرر المشاركة بدون طلب حصة او مكانة في الدولة واجهزتها ولسبب طبيعة النظام اللبناني ادار العلاقة مع السلطة بتمكين الثنائية الشيعية التي ورثت حرب مكلفة بينهما وتم التوافق على حصة الشيعة في الدولة لحركة  امل بينما الحزب يتمول من ايران والحوزات وامل تؤمن الحماية في الدولة وهو يؤمن الحماية والقوة في الميدان وبالسلاح اذا افترضت المواجهة.
لم يعر الاوضاع الداخلية والازمات الاهتمام والاولوية، ولم يستجب للنداءات والمناشدات ولا أتخذ بالتحذيرات والمؤشرات، وربما لم يتنبه للخطر الا بعد وقوع الواقعة وانفجار الازمة واندلاع ثورة الكرامة وحقوق الانسان في ١٧ تشرين ٢٠١٩ وقد اخذ على حين غرة وقدم نفسه وتضحياته وقوته على غير ما كان مأمولا منه وشكل حاضنة لحماية منظومة الفساد واللصوصية المافياوية بحسب توصيف الاندبندنت لها.
والمنظومة بكل اركانها، ولا يستثنى منها احد نجحت في تطمينه وترقيده والغدر به واستثمرت في انتصاراته والتحريرين وصرفتها مكاسب وارباح وارصدة في مكاسبها وحساباتها وافقار للشعب والبلاد، ولم يرف لها جفن وكأنها واثقة من ان حزب الله والمقاومة في جيبها الصغير  وبأنه سيبقى يضحي ويحقق الانجازات والانتصارات ويفوضها بصرفها على حسابه وعلى حساب الشعب ويتركها تغتصب اللحظات لتتامر عليه وتسعى لإسقاطه وتصفية المقاومة ولا تهاب ردات فعله وكأنها تضمنه وتعرف ردود فعله في هذا المسرح.” لاحظوا كيف بدات المنظومة تستثمر بقوة الحزب وتهديده لإنجاز الترسيم وقارنوا كيف كانت الامور قبل انتصار ال٢٠٠٠ و٢٠٠٦ وما صارت علبه بعدها”.
قد لا تكون مصادفة اتمامه العام الاربعين، متقاطعة مع بلوغ الازمة الاجتماعية والاقتصادية ذروتها، والمنظومة تعتدي على الحقوق وتغتصب كرامة الشعب وحقه بنتاجاته ورواتبه وثرواته الوطنية والطبيعية والبشرية  والضرائب والتعويضات ناهيك عن المدخرات والودائع، التي بددت ونهبت. وليست مصادفة بالقدر التي تشكل مهمة وتحد؛ ان الاربعين وقعت والبلاد على كف عفريت وعلى منصة المذبحة والتصفية والمنظومة تعلن جهارا رغبتها واستعدادها لبيع المستقبل والثروات والفرصة الوحيدة الباقية والتي يمكن الرهان عليها لإخراج البلاد من التهلكة وانقاذها من الفوضى المتوحشة، وقد بادرت المنظومة لتقديم السيادة والقرار الحر والنفط والغاز لإسرائيل بمقابل ان  تحمي نفسها وتتقي شر العقوبات الامريكية التي تهدد بمصادرة  ارصدتها التي نهبتها.
في الاربعين؛ انتصبت امام الحزب والمقاومة مهمات نوعية، فلا قيمة للانتصارين والتحريرين والتضحيات والانتصارات في الاقليم اذا لم تتم حماية الثروات وفرض السيادة والقرار الحر، وتثبيتا لحقيقة ان حزب الله ومقاومته من صنف جديد وثوري للحركات السياسية والعسكرية، انتصب السيد حسن نصرالله بابتسامته المعهودة والمطمئنة والصادقة، وبقامته وقال بلسانه الذهب: الى هنا فقط ونقطة اول السطر.
النفط والغاز والحدود والسيادة والقرار الحر لنا وكما انجزنا نصرين وتحريرين قادرون على الثالثة والثالثة ثابته واعلن انتقال المقاومة وحلفها من الدفاعية الى الهجومية، ووضع بذلك حدا زمنيا ايضاً للمناورات واستهلاك الزمن وتبرير خيانات المنظومة وتفريطها وحدد لذلك اسابيع ست ارفقتها المقاومة بإنذارات بالنار والمسيرات والافلام الحربية وذات الدلالات القطعية العسكرية.
جاء هوكشتين ووعد بتقديم تنازلات، واعلن جاهزية اسرائيل وامريكا للتفاهم، ما يوفر فرصة لاحتمال ان يتحقق النصر الثالث والتحرير الثالث بنتيجة استعراض العضلات والتلويح بالعصا دون استخدامها.
بهذه يفتتح حزب الله اربعينية الشباب بانتصار ثمين يعيد تلميع ما سبقه من انجازات وانتصارات، الا ان للتاريخ منطقه وللمستقبل انياب ومخالب ولحقائق الجغرافية والأزمنة امتحانات قاسية للأحزاب والجيوش والقادة وللإمبراطوريات من لا يستثمرها او تغيب عن ناظريه، ولمن يتجاهلها تحكم عليه بالانزياح الى زاوية النسيان مهما كانت عظمة ما سبق ان حقق.
حزب الله في شبابه الأربعين، على مفترق الطرق، وامام الامتحان الاكثر اهمية وصعوبة، فلم يعد الزمن يعطيه فرص المناورة والتهرب وادارة الضهر …
كرامة الناس، وحق الناس بالحياة العزيزة الكريمة ذاتها العبارات التي درجت على لسان السيد في خطبة الايام الاولى لعاشوراء التي صدرنا بها الموضوع وهي بيت القصيد ومحكمة الضمير وفرصة التاريخ الفاصلة. لا وبل سؤال الله عز وجل للمؤمنين الصادقين من صنف قادة ورجال المقاومة كما جاء في الآية الكريمة، ليس حضا ودعوة وتحفيز انما تأنيب ايضا وعتاب (  وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا)
اذا كان الحزب وبنيته وكادراته لم تفسد، ولم تترهل، ولم تغادر ساحات القتال وطلب الاستشهاد ولم تتكلس العقول وتغلب المكاسب والمصالح على الايمان والاهداف وطلب رضا الله عز وجل، فهذه تحققت لغايات وربما لرؤية استباقية عبقرية للمؤسسين برفض السلطة والحصص فيها مما اعفى الحزب من الامتحان الذي تعرضت له سوابقه وغالبها سقط فيها.
وتمويل حزب الله من ايران وكون دورته المالية من خارج ميكانزمات بنية الاقتصاد وقواعده ربما امنت له الحماية والاستقرار وجعل بنيته وقاعدته متماسكة لم تسحقها الازمة التي تسببت بها المنظومة المافياوية واللصوصية، اما شعب الحزب والمقاومة والشعب اللبناني فلم يعد قادرا على التحمل وقد استنفذت هبات واعطيات وتقديمات حزب الله قدرتها على تلطيف الازمات والتخفيف من وطأتها حتى العرض الايراني بتمويل الفيول مجانا لن تفيد ولا تنفع كما في بواخر المازوت والبنزين التي امتصت نتائجها المنظومة.
فالأزمة ليست فقط ازمة امكانات بل ازمة سياسية عميقة تمس فقدان الكيان لوظائفه والنظام لقدرته على الاستمرار ومتغيرات البيئات وتحولات الحياة البشرية وقواعدها الناظمة فكما نهبت المنظومة ترليون دولار بيسر ستنهب مليار دولار تتبرع بها ايران بل هي متحفزة لابتلاع النفط والغاز كله بملياراته الكثيرة ولا حلول ولا مخارج الا بالسياسة وبالانخراط باللعبة الداخلة وستذهب كل الانتصارات والانجازات والاربعين سنة ويذهب معها الحزب والمقاومة الى مخزن الذاكرة الحلوة في كتب التاريخ…
ماذا يمنع حزب الله في شبابه الاربعين ان يعيد تأسيس نفسه ومقاومته وان يرتقي الى المهمة..؟؟
هل يعجز ام يؤكد طبيعته وتكوينه وحقيقته نموذجا مختلفا..
والحزب يسترشد بتجربة ايران الثورة الاسلامية التي اتخذت من الآية( ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين) وما الذي يمنع الحزب من تلبية الآية الكريمة( وما لكم لا تقاتلون.. …) وهل صدفة ان تركز خطاب السيد في اولى ليالي عاشوراء على علاقه الحزب وتأسيسه وتجربته ونشدانه التقرب من الله عز وجل…
…. سنعالجها لاحقا

بيروت٢-٨-٢٠٢٢

شاهد أيضاً

صباح القدس

  ناصر قنديل صباح القدس والمقاومة تتقدم ، وحلف الأعداء يتموضع ويتفكك ، فالكل يقرأ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أعلان إيجارات واستثمارات

اعلان

أعلانات

اعلان