قراءة الدكتورة فيفيان حنّاالشويري للوحة الرسّام شوقي دلال بعنوان “سقراط قال لي”…

“سقراط قال لي”…

بقلم * الدكتورة فيفيان حنّا الشويري

وأنا سألت أفلاطون، فقال: أحبّ سقراط لكن أحبّ الحقيقة أكثر!
فدهشتُ وجالتْ عيناي في المقام علّه يصلني ردّ أرسطو على أفلاطون، فلم يتسع المجال لأي تعقيب لأن سقراط كان يقول ويقول والحضور شاخص وناظر ومأخوذ…وهل ما يقوله ليس بالحقيقة؟

 

           لوحة سقراط قال لي للرسام شوقي دلال

 

بل هو كلّ الحقيقة التي تماهت الى أسماع الفنان شوقي، فترجمها بالألوان وخرجت مشكّلة وكلمات مرسومة ومليئة بالرموز والتعابير والدلالات والتي وحده دلاّل يعرف صياغتها، فهو أكثر من سمع سقراط يقول له، وإن كان تشتت الغافلون عن الفكر الصحيح الى غيره من آراء المفكرين والفلاسفة والمدّعين، فشوقي دلال يصغي للمعلم بشغف واهتمام ويلتقط الكلمة ويصيغها صوراً تعبيرية، رمزية، دلالية، ذات أبعاد عميقة وموغلة في التاريخ، ومشبّعة بالمعاني؛ ومن غير المتشوّق للتعبير عما يقوله له سقراط أبرع من شوقي؟
وخرجت اللوحة التي فيها قال سقراط الكثير، لأن المفكر الجليل كان يصوّب على الناظر الثاقب ببصره والمدرك ببصيرته، وطالعنا شوقي بما قال له سقراط:
فعلى ماذا تدلّ دلالات دلاّل؟
توسّط المفكر الجليل اللوحة بوقار شيخ بابلي-أشوري-سوري عريق الأصل، مجلّلاً بالحكمة السرمدية، وقد حمل فكر المشرق بكليته، وعلى محيّاه تطالعنا قصة الحضارة، لتخبر سومر المصدر، المتجلية كعرقيّها العظيمين دجلة والفرات يرفدان الكون معرفة ويتدفقان اشعاعا ونوراً وفيضاً من عراقة وقبسا من أصالة مشرقية ما فتئت تشغل الكون بسحرها وريادتها ؛ ويتراءى السلف الجلجامشي بكلّ عظمته، وقد ملأت اللوحة رموزه الحكمية والتي انتقلت الى الإغريق لتملأ الكتب بالميثولوجيا التي لا تقرأ معانيها الصحيحة الا من منابعها المشرقية الأصلية؛ فقصة الخلق بدأت هنا؛ والحية تفح تعبيراً؛ والجنة تفوح من عبق التاريخ، والتنين يشهد؛ والمرأة بكلّ أسرارها العشتارية ما لبثت هناك هي هي.
ويتمثل أحيقار بكل هيبته، يحتضن كتب الأسلاف وتحيطه يمنة ويسرة ، فهو سليل حضارة دافقة لم يجفّ حبرها بعد ، فقد نقشت رُقُماً ، وحُفرت صخراً، وكُتبت بماء الوجدان، وطبعت العالم قوانين وبرعاية حمورابي وأشوربانبل ونبوخذ نصر لتقول للعالم: أنا المشرق لن أموت، ولن أزول ولن أضمحل ما دام نبض الشرفاء يتكلم.
وينطق سقراط بالحقيقة إغريقياً مطعمّاً بالحرف الفينيقي وقد حفّت به صور التاريخ بجميع العلوم والآداب والفنون والفلسفة والثقافة، لتعلن للعالم أن الأصل مشرقي صرف لا محال ومن أراد النهل من هذا المعين الذي لا ينضب فله ما أراد. ويتربّع كالمعلم السيد المسيح على عرش الكلام، ليقول إنني سليل مشرق منبعه السلام والخير، مصدر الحق والمحبة. وبابلها حرية ومن دخلها، السعادة يجد.
والمريدون افترشوا أرض الحكمة وتسمرّوا في المكان وشخصت عيونهم الى المارد المتكلم، كأنما أحيلوا أصناماً من وقع الكلام المبين.
وإذا كان التعبير الدلالي يقول الكثير ، فإن الأسلوب التقني الفني يحدثنا أكثر، فقد تماهت يد الفنان شوقي دلال ويد الفنان الرافدي القديم بالتدوير وليس القياس ولا التسطير، فاليد تميل بخطوط تعبيرية تقودها السجية ، ولا مكان لمسطرة او خطوط مستقيمة، فالطبيعة تنساب تضاريسها وفق الانسجام وليس التخطيط المنظم؛ وهذا قدموس يخط لأفلاطون أكادميته حيث لا يدخل الا من كان جيومترياً؛ وهذا زينون السوري وأروقته المتماوجة جمالاً، ورونقاً وتصميماً يستقبل الوافدين من كل حدب وصوب ويفتخ صرحه العظيم لكل طالب علم وإن ضاقت أروقة سورية ، فتح فروعها في أثينا.
فإذا كانت فسيفساء بعلبك جمعت الفلاسفة وبقوا صامتين متأملين، وإذا كان رافايل استعرض الفلاسفة تحت قنطرة العلم وبقوا متأملين، فهذا شوقي دلال يستنطق التاريخ ويجعل سقراط ينطق ويقول له إن العالم عرف شيئاً وغابت عنه أشياء، ولم يصلنا إلا بضعة مما ينبغي أن يقال، لأن القول يبقى دفاقاُ طالما مياه العراقة تجري…

“سقراط قال لي”…
لوحة بحجم حضارة، موسوعة هي، وحقيقة صارخة، ولدت من رحم المعاناة التي تقضّ مضجع دلال وقد رأى الخراب ولمس الزيف وتهدّجت روحه من هول الدمار والسلب والنهب والتخريب المجتاح أرض الحضارة، وقد اشتاقت روحه للبوح، فاستنطق الحكمة وأسرّت له بشخص صاحب الحكمة، شيخ الفلاسفة، سقراط، مالك الحقيقة، أنه لا يصحّ الا الصحيح، وإن طال الزمن وإن خفتت الذاكرة وأن شحّت العلوم؛ فريشة الفنان الأصيل الملتزم ومخيلته الجامحة، الطموحة، لكفيلة أن تحيي العظام وهي رميم.
ريشة شوقي ريشة عالمة، عارفة، مثقفة، تنبض وجداناً وفكراً، فهنيئاً لك بلادي ولا تخشي، فللأصالة أربابها وللفنون مبدعوها وللحقيقة مناصروها.

* الدكتورة فيفيان حنّا الشويري – أستاذة الفنون والآثار والحضارات في الجامعة اللبنانية

شاهد أيضاً

قادة تحت التدريب!؟

  بقلم :سرى العبيدي مثلما تستخدم الدول المتقدمة المفاعل النووية لديمومة امكانياتها وتطوير عملها وابحاثها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.