رحيل الفنان النحات فؤاد أبو عساف (1966-2021 )

د. منير مهنا 

تجربة في إبتكار الذاكرة وإستقرائها كانت تحفّز روحه المبدعة، هو المسكون بلغة الأرض/الأم وثيمات أساطيرها من عشتار الهة الخصب والجمال والحياة المتجددة . ذلك هو فؤاد أبو عساف الآتي من أرث الأصالة وصلابة صخور البازيلت في جبل العرب، الممتليء بشموخ العّزة مع نسورها والسابح في فضاء أحلامها على وسع المدى .


حين تلتقيه، تلمح حزناً عميقاً على فقدٍ لم يستطع أن يتجاوزه، فصار من شغف حزنه يبتكر وجهها ويبعثه في جسم البازيلت تنويعاً مفرداً رغم تكراره، فريداً في تنويعاته وتعبيراته، واصبح الوجه بصمته بما ينطوي عليه من أسرار البوح والإنتظارات، ولعل في تلك النمطية تكمن عبقرية فؤاد أبو عساف في الإبداع حين كل شيء يتشابه في الجوهر، فلما لا يتشابه في المظهر؟ .
وحين تتعمّق في قراءة أيقوناته البازيلتية ترى كم كان فؤاد أبو عساف مولعاً بالرغبة في الإنعتاق و الكشف عن سرّ الولادة والموت، عن محاكاة القدر وملحمية هذا الوجود بين مأساته وملهاته .


لقد عرف فؤاد أن الحب يتكشّف عندما تبلغ الروح سنَّ الجمال، فأنتظره في صومعته الجبلية مع كل شفقٍ مستوحد، ولم تكن أحلامه وحيدة بل كانت كوردة تنتظر من ينتظرها . وكان فؤاد الناظر والمنتظر .


فؤاد أبو عساف، يا صديقي الجميل، بغيابك تفتقد المدرسة الفنية النحتية في بلادنا أيقونة من أيقوناتها، وتخسر ذاكرة المكان كاهناً مستبصراً في روحها، لقد طبعت بصمتك في رنين أزميلك على مدى الزمن، وأينعتَ في حفر المعنى على صلابة البازيلت كحقيقة يصعب أن يتجاوزها الوقت .

رحيلك المبكّر لا تنوب أي كلمات عن وصفه، وستبقى غواية أن ننتظر إبداعك ممتدة الى ما بعد الطقوس والإشارات والتحولات.
ترحل وكأني أسمعك تقول : مكامن الجمال أعمق مما نرى .

لروحك الرحمة في فسيح الجنان ومعارج الخلود .

شاهد أيضاً

مسا العز

  الشاعر فؤاد عيسى نزل دمعي شلال دم وصاح القلب باهات مسموعة يا رب صبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.