٤٠ عاماً على رحيله..

 

السنباطي من “بلبل المنصورة”
إلى “ثنائي الشرق” مع أم كلثوم(٢/٢)

زياد سامي عيتاني*

•رحلته مع أم كلثوم:
إرتبط الموسيقار رياض السنباطى بعلاقة صداقة خاصة جداً بكوكب الشرق أم كلثوم، شكلت الخط الأساسى فى تجربته الفنية، وهى شراكة عمر، مكانة خاصة إنفرد بها السنباطى وإنتزع بها عرش الراحل الكبير محمد القصبجي داخل مملكة أم كلثوم، فقد تعامل السنباطى فنياً مع درة الفن فترة تزيد على 40 عاماً، ولحن لها رصيداً كبيراً من الأغانى التى حصد بها نجاحاً ساحقاً.
****


•الصدفة جمعتهما صغاراً:
علاقة الكبيرين أم كلثوم والسنباطى بدأت مبكراً منذ الصغر، عندما كان عمره 13 عاماً، وعمرها لم يتجاوز الـ 17، كما كان والد أم كلثوم الشيخ إبراهيم صديقا قديماً للمنشد محمد السنباطي والد رياض.
وكانت الصدفة وحدها هي التى جمعت بين أم كلثوم والموسيقار الكبير رياض السنباطى عندما كان رياض مع والده فى محطة سكة حديد قرية “درين”مركز نبروه، وكانت أم كلثوم ووالدها وشقيقها وأولاد عمها يغنون فى أحد الأفراح هناك، وكان رياض هو ووالده يتبادلان الغناء في فرح. وعندما إنتهى الفرحان فى وقت واحد متجهين إلى المحطة في إنتظار القطار، أشار السنباطي الكبير لإبنه رياض وقال له: “أم كلثوم التى يتحدثون عنها”، فنظر رياض لأول مرة فى حياته ليجد أم كلثوم، ولم يكن قد سمع لها، وإنما سمع عنها فقط…
****
•البداية مع “على بلد المحبوب”:
ظل ذلك اللقاء العابر محفوراً فى ذهن رياض السنباطى، وبعدها بحوالى 15 عاماً قامت أم كلثوم بالاتصال بالسنباطي ليتفقا على العمل سويا، فآبتسم الحظ لرياض السنباطي بآختيار أم كلثوم لنفسها ملحناً، بعدما كان قد بدأ يلحن لبعض المطربين والمطربات، علماً وأنه حتى ذلك الوقت، لم يكن قد لحن لأم كلثوم غير بضعة ملحنين أهمهم محمد القصبجى وزكريا أحمد وهم من فطاحل الموسيقى، فكان السنباطى أصغرهم سناً، وحققت أول أغنية لحنها لها من كلمات أحمد رامي نجاحاً كبيراً وهي أغتية “على بلد المحبوب”، التي قدمت عام 1935 ولاقت نجاحاً كبيراً، لينضم السنباطي إلي جبهة الموسيقية الكلثومية التي كانت تضم القصبجي وزكريا أحمد.
إلا أن السنباطي كان مميزاً عن الآخرين فيما قدمه من ألحان لأم كلثوم، إلى جانب تميزه فيما فشل فيه الآخرون ألا وهي القصيدة العربية التي توج ملكاً على تلحينها، سواء كانت قصيدة دينية أو وطنية أو عاطفية، ولذلك آثرته أم كلثوم من بين سائر ملحنيها بلقب “العبقري” .
ولا يعلم الكثير أن أم كلثوم تسببت في قطيعة فنية بين رياض السنباطي والفنان عبده السروجي، بسبب أغنية “على بلد المحبوب” التي أعجبها نجاحها بعد أن شدا بها السروجي، فقررت تسجيلها في أسطوانة بصوتها لينسى الناس السروجي ويتذكرون الست وهي تتغنى بها، وهو ما أغضب الفنان السروجي من رياض السنباطي وجعله يقاطع ألحانه إلى الأبد.
****
•”ثنائي الشرق”:
وبعد أغنية «على بلد المحبوب وديني»، لحن رياض لأم كلثوم «النوم يداعب عيون حبيبي»، كلمات أحمد رامي، والتي أعجبت بها أم كلثوم وقدمته في حفلها الشهري على مسرح قاعة ايوارت التذكارية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. وكان حفلاً مذاعاً، وإعتبر هذا اللحن من المنعطفات في حياة أم كلثوم والسنباطي معاً. وظل رياض يمد أم كلثوم بألحانه وروائعه.
بعد ذاك، لحن السنباطي لأم كلثوم في البدايات: «لما انتي ناوية تهاجريني»، «أمال دموعك كانت ليه»، وفي فيلم «نشيد الأمل» عام 1936، لحن لها «افرح يا قلبي»، «يا شباب النيل»، «قضيت حياتي»، فاستقر سريعًا في مكانته ضمن طليعة الموسيقيين العرب آنذاك مع القصبجي وعبد الوهاب وزكريا أحمد.
وبدأت منذئذ شراكة عمر بين السنباطي وأم كلثوم دامت 40 عامًا لم يتخللها سوى اختصام دام أقل من سنتين، بدايةً من 1960 وحتى ربيع 1961، لأسباب نسبها السنباطي إلى تدقيقه الشديد في الكلمات التي يختار تلحينها لها.
على كل حال، إنفردت ألحان السنباطي بصوت أم كلثوم حقبة امتدت 12 عامًا، إنكب خلالها بصوغ ملامح أسلوبه الخاص في التلحين غير متأثر بمن سبقوه.
وبدأت هذه المرحلة بواحد من أكبر ألحانه «رباعيات الخيام» عام 1949، وفي نفس العام غنت له أم كلثوم قصيدة «النيل»، وأيضًا «ياللي كان يشجيك أنيني».
وتوالت الكلثوميات الكبيرة بعد ذلك: «يا ظالمني»، «جددت حبك ليه»، «أغار من نسمة الجنوب»، «ذكريات»، «أروح لمين»، «أنا لن أعود إليك»، «شمس الأصيل»، «دليلي احتار»، «عودت عيني»، «لسه فاكر».
وهكذا استطاع السنباطي أن يُثبِّت المزاج الذي وضع مواصفاته لحفلات أم كلثوم، فلازمها حتى الممات، بما في ذلك أعمالها الأخرى.
وفي عام 1961 لحن لأم كلثوم «الحب كده»، وفي العام ذاته غنت أم كلثوم سنباطية كبيرة هي «حيرت قلبي معاك». في الأعوام التالية وحتى آخر ألحانه لها، غنت أم كلثوم من تلحين السنباطي أغنيات عديدة أبرزها: «حسيبك للزمن»، «ليلي ونهاري»، «أراك عصي الدمع»، ثم «الأطلال» عام 1966، «أقبل الليل»، «من أجل عينيك عشقت الهوى»، وكانت آخر ما غنت له أم كلثوم «القلب يعشق كل جميل» عام 1972.
وصف النقاد أغنية “الأطلال” التي غنتها أم كلثوم عام 1966 بأنها “تاج الأغنية العربية، وأروع أغنية عربية في القرن العشرين، ومن أروع ما لحن السنباطي”
وغنت أم كلثوم أغنيات دينية أخرى للسنباطي، مثل «رابعة العدوية»، «على عيني بكت عيني»، «عرفت الهوى»، «يا صحبة الراح»، «تائب تجري دموعي ندمًا»، «حديث الروح».
كما لحن السنباطي الكثير من أغنيات أم كلثوم السياسية والوطنية، حتى بلغت 33 أغنية، أشهرها: «قصيدة النيل»، «مصر تتحدث عن نفسها»، «وقف الخلق ينظرون»، «مصر التي في خاطري»، «نشيد بغداد»، «منصورة يا ثورة أحرار»، «قصة السد»، «ثوار»، «راجعين بقوة السلاح»، «حق بلادك».
وبعد حادث المنشية عام 1954 غنت أم كلثوم لجمال عبد الناصر من تلحين السنباطي «يا جمال يا مثال الوطنية»، وعندما تنحى غنت من تلحينه أيضًا «قم واسمعها من أعماقي» تناشده فيها البقاء في الحكم، كما غنت في موت عبد الناصر قصيدة نزار قباني «رسالة إلى عبد الناصر»، ولم تغن بعد موته أي أغنية سياسية أو وطنية.
وقد وصل مجموع ما غنت أم كلثوم من أنغام السنباطي نحو 96 أغنية، 21 قصيدة، 24 مونولوجًا، 13 طقطوقة، 33 أغنية وطنية، 15 أغنية سينمائية.
****
تاريخ طويل يحمله السنباطي، حيث أن عدد مؤلفاته الغنائية بالمئات في الأوبرا العربية والأوبريت والاسكتش والديالوج والمونولوج والأغنية السينمائية والدينية والقصيدة والطقطوقة والمواليا، وعدد مؤلفاته الموسيقية 38 قطعة، وتعامل مع ما يزيد على 120 شاعراً من نجوم الكلمة، كما زينت ألحانه أشهر الأصوات الغنائية في تاريخ الوطن العربي…
-إنتهى.
*إعلامي وباحث في التراث الشعبي.

شاهد أيضاً

🔴نيويورك تايمز تكشف تفاصيل مثيرة عن عملية اغتيال “أبو البرنامج النووي الإيراني”

باريس _ عيسى ريشوني كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” تفاصيل مثيرة حول عملية قتل العالم النووي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.