حوار في الثقافة والسياسة من إعداد الإعلامي.. د.وسام حمادة

في زمن العولمة والإعلام المرتهن وترسيخاً لمفاهيم الثقافة والمعرفة الراقية والتي تعيش غربتها القاتلة تعيد مجلة كواليس وموقعها الإلكتروني نشر لقاءات ثقافية وسياسية كان قد أعدّها وقدّمها لفضائية الإتحاد الإعلامي، د. وسام حمادة عبر برنامج 24 /24

ولقاء العدد مع المخرج المسرحي والناقد الفني  “جلال خوري” 

عنوان الحلقة:  “المسرح والسياسة”

أغنية بعنوان “أمجّد عينيك”

كلمات الشاعر: “د.حسن حمدان”

ألحان وغناء: د.وسام حمادة

نص القصيدة:

أمجد عينيكِ أغني البحر… هل يسع البحر بداهة عينيكِ

أمجد عينيكِ أغني الأرض… هل للأرض ضرورة عينيكِ

أغني مطراً، أغني سماءً، تنهض في رقص الشمس

تسعفني عيناكِ، أحبكِ، لا لا تخطئ عيناي ضرورتها

فلمجدكِ غنيت الأرض ولمجدكِ غنيت البحر

وعيناكِ وعيناكِ

أحبكِ هذه أولى كلماتي أحبكِ أحبكِ

أحبكِ هذه آخر كلماتي أحبكِ أحبك

أحبكِ هذه كل الكلمات… أحبكِ

د.وسام:

 – أرحب بضيفي المخرج المسرحي والناقد الفني الأستاذ جلال خوري، أهلاً وسهلاً بك ضيفاً عزيزاً

الضيف: شكراً لكم.

– ضيفي الليلة استعاد للمسرح زخمه ومُبَرّر وجوده، فمنذ أكثر من نصف قرن وهو يواكب الحركة المسرحية في لبنان والعالم.

المسرح بالنسبة له يُعنى بطرح المسائل الكبرى ويضيء عليها ويعالجها خاصة عندما يحمل المشهد هذا الكَمّ من التراجع الفكري والثقافي والأمني أحياناً.

هو المسرح, ذاك الفضاء المَعني بإعادة الروح إلى الحياة الإبداعية التي سقطت على مذبح الإستسهال المُفرط لحساب الإنتاج الهابط، مما ساهم في تراجع الحركة المسرحية الهادفة والحاملة رسائل سياسية أحياناً وثقافية أحياناً أخرى لتساهم في حركة الوعي وليعبُر من خلالها إلى آلام وأحلام المُتلقي.

يقول ضيفي: كل مسرح هو مسرح سياسي حتى عندما يتنكر للسياسة.

*أستاذ جلال حضرتك كاتب ومخرج ولديك الكثير من الأعمال التي أخرجتها من كتاباتك أو من كتابات كبار الكُتّاب، كما أنه لديك بدايات صحفية أيضاً، في ظل هذا التاريخ والعمق الذي وصل حدّ الإشباع في عملية المسرح والكتابة النصية والإخراج والنقد، أين يجد الأستاذ جلال خوري نفسه أكثر؟

الضيف: طبعاً في المسرح، ولَدَيّ قناعة أن الإنسان يولد ويعرف ما الذي يريده، لذلك أنصح الآباء ألا يفرضوا رأيهم على أولادهم في هذا المجال لأن الأبناء يدركون أنهم سيصلون إلى مبتغاهم وإن كانت الطريق صعبة إنما هي السبيل الوحيد الذي يُمَكّنَهم من تحقيق ذاتهم، فمن الواجب أن يسمعوا لذويهم .لكن يبقى هناك ما هو أقوى من ذلك فيجدون أنفسهم على طرف آخر.

* وحضرتك كيف اتخذت قرار السير في هذا الطريق؟ هل كان للبيت دورٌ ما في ذلك؟

الضيف: لا لم يكن هناك أي دورٍ للبيت علماً أن أبي كان رساماً إلى جانب مهنته، لكن الصدفة هي التي لعبت دورها، وسأخبرك قصتي التي فيها نوع من العبثية. لقد كنت في الأساس صحفياً رياضياً ومن ثم تحولت إلى ناقد فني في جريدة “لوريون لوجور” حيث كنت أكتب باللغة الفرنسية، وفي أحد الأيام من العام 1967 قمت بزيارة “جورج نقاش” مؤسس الصحافة اللبنانية، وكنت قد شاركت في عدة أعمال مسرحية، فسألني ماذا ستفعل في المستقبل، أجبته أنت تعلم أنني صحافي، فقال لي الصحافة المكتوبة بالفرنسية وصلت اليوم إلى ذروتها وغداً ستنحدر، لذا عليك البحث عن شيء آخر لأنه يجب على الشباب دائماً أن يبحثوا عن العمل الذي لم يبدأ بعد وأن يبدأوا معه ويصبحوا جزءاً منه وهو يصبح جزءاً منهم . وأردف عليك بالمسرح! قلت له أن أكبر مسرحية يأتي إليها خمسمئة أو ستمئة شخص وهذا العدد لا يُغطي معيشة شخص واحد، فقال :” هذا اليوم ولكن غداً الأمر سيختلف” . ودون أن يأخذ رأيي ,رفع الهاتف وتكلم مع السفير الفرنسي بشأني وطلب منه منحة لي . في بداية الأمر لم أتعاطَ مع الموضوع بشكل جدي لكن بعد شهر اتصلوا بي من السفارة لكي أقدّم أوراقي وألتحق بمسرح (تي أن بي) وبجامعة الأمم. حينها شعرت أن هناك شيئاً ما سلبني دون أن يكون لي علاقة بذلك. وبعد ثلاث سنوات قمت بعمل مسرحي بعنوان “جحا في القرى الأمامية” والتي نقلت المسرح من إثنين وثلاثين عرضاً لآخر مسرحية إلى ما يفوق المئة وخمسين عرضاً، حينها التقيت بالأستاذ جورج نقاش وقال لي أرأيت كيف تغيّر الحال خلال ثلاث سنوات ؟!

* على كلٍّ في الكثير من الأحيان يلعب القدر بشكل إيجابي.

الضيف: القدر مكتوب في الذات.

*ومن الجيد أن القدر لعب معنا دوراً إيجابياً بشخص مثلك ,كمخرج وكاتب مسرحي جادّ بالحد الأدنى في زمن بات من الصعب أن تجد فيه هذا النوع من المخرجين.

سنُكمل هذا الحوار لكن بعد متابعة هذا التقرير المتواضع الذي يدور حول شخصيتك.

التقرير:

أعطني مسرحاً أُعطيك شعباً عظيماً !

جلال خوري كاتب ومخرج مسرحي وناقد فني، وُلِد في مدينة بيروت عام 1934، درس الأدب الفرنسي كما عمل في تصميم الأزياء مع والده، وفي الإعلام عمل في مجال تحرير الأخبار الرياضية في جريدة لوريون الفرنسية.

وفي العام 1964 بدأ مسيرته في الإخراج المسرحي وبعد سنتين حصل على منحة من فرنسا ليدرس المسرح بشكل عام، شغل أستاذاً في معهد الدراسات المسرحية السمعية المرئية في جامعة القديس يوسف .

من أبرز أعماله المسرحية “فخامة الرئيس” و”رزق الله يا بيروت” و”يا ظريف أنا كيف” و”الطريق إلى قانا”.

* أستاذ جلال بحكم خبرتك ودراساتك المُعمّقة خاصة أن حضرتك تُدرّس مادة الدراما المقارنة بين الشرق والغرب، هناك سؤال نودّ توضيحه منك . هل امتلك العرب خشبة مسرح؟

الضيف: أبداً، لقد ترجم العرب كلَّ شيء في أيام العباسيين، على الأقل التراث الإغريقي، وكان لديهم إطلاع على ما يسمى بالمسرح، لكن كانوا يهتمون بالعلم الدقيق أو الواقعي بما في ذلك العلوم الفلكية، وعلى ما يبدو أنهم ترجموا أرسطو وترجموا التراجيديا بالمفاجع والكوميديا بالهجاء، ويقول البعض أن العرب لم يكونوا بحاجة إلى المسرح وهذا غير صحيح، لأن المسرح يعكس معاناة ليست موجودة في الوعي العربي، لذلك لم يهتموا ولم يسألوا عنه ولم يكونوا بحاجة له، أما المسرح الذي نعرفه والذي قيل أنه بدأ مع مارون النقاش سنة 1947 هو نقل مباشر لتراث أوروبي في لحظة كانت قد بدأت تتعمّم في بلادنا النماذج الحضارية والثقافية لأوروبا، وطبعاً الإستفادة من التكنولوجيا ومما يقوم به الغربيون من تطور مسألة جيدة، لكن حين تصل إلى المسرح الذي يحكي عن الوعي البشري فهذا لا يُحرّك شيئاً، فاليوم نرى جماعة داعش يستعملون التكنولوجيا لكن هذا لا يعني أنهم قد دخلوا في ذهنية العصر، وصحيح أننا اليوم في عدة علوم وممارسات نتبع هذا النظام الكوني للعلم الحديث أو للفكر الحديث ولكن عندما نصل إلى داخل الإنسان يصبح كلّ هذا غير ساري المفعول.

* إذاً هذه المسألة من وجهة نظرك غير مُحاربة؟

الضيف: وما من أحد سأل أو يسأل.

* يعني ذلك أن المسرح مرتبط بظروفه وبمناخه وبالبيئة المحيطة به.

الضيف: نحن نظن أن المسرح فقط هو المسرح الأوروبي، وهذا طبيعي لأننا تحت وطأة وسيطرة الثقافة الغربية.

* بالحد الأدنى لأننا نتكلم دائماً بالموروث الإغريقي إلى أن وصلنا إلى أوروبا وكأنّ المناطق الثانية لا يوجد فيها أي حضارة أو ثقافة.

الضيف: المسألة لا تتوقف عند الموروث الإغريقي فقط، وبما أنّني أُدرّس المسرح المقارن، أستطيع أن أقول لك أنه في الهند والصين واليابان وكمبوديا وفي بالي هناك مسارح بالغة الأهمية نحن لا نعرفها لأننا محدودون نتيجة عدة عوامل منها التربية المدرسية التي تعلمنا فيها أن تاريخ فرنسا هو تاريخنا وهذا غير صحيح، لذلك المسرح ليس فقط هذا المسرح الأوروبي . لكن إذا قرّرنا أن نأخذ المسارح الأوروبية كمرجع ونموذج والذي نقول عنه المسرح الصِدامي المبني على جدلية قُل نعم لأقول لا، بهذا الإطار بإمكاننا القول أن هذا المسرح غريب عن بلادنا ولا يزال غريباً بالرغم من أن هناك أعمالاً كثيرة ذات طابع ثقافي وجمالي لكن المسرح العربي لم يحمل دلالات في العمق تميّزه وتعكس حقيقة الوعي الجماعي.

* كلّ ما تَقدّم حتى اليوم على خشبة المسرح والذي كان في فترة من الفترات مُتقدّماً في مصر أو في لبنان أو حتى في دول عربية أخرى والذي حاكى آلام وأحلام الناس الذين عاشوا هذا النوع من المسرح، برأيك هذا لم يُمَكّن العرب من تشكيل هوية مسرحية؟

الضيف: أبداً، فعلى مدار مئة وخمسين أو مئة وسبعين سنة من المسرح العربي لم يكن هناك فترة مهمة سوى بعد هزيمة العام 1967.. لأن هذه الهزيمة كان وقعها على ضمير الإنسان العربي كارثياً وبمثابة الزلزال، وبالتالي كان هناك حاجة للتعبير على الأقل عن هذه الكارثة وهذه المعاناة لدى المجتمع العربي، هنا لعب المسرح دوراً ولو جزئياً بين العام 1967 و 1975، ولبنان كان له الدور الهام، لأنه كان المساحة المُعدّة والمنفتحة وفي داخلها تناقضات كثيرة هي التي تغذي المسرح بالأساس. وإذا رجعنا قليلاً إلى المسرح الغربي  -وعمره ألفان وخمسمائة سنة -وإذا أردنا أن ننظر ونحسب الفترات أو ما يسمى بالعصور الذهبية فهي لا تتجاوز المئة وخمسين سنة، فالمسرح الغربي تألق في ثلاث مراحل . المرحلة الأولى كانت في أيام الإغريق حين انتقل المجتمع من التركيبة القبلية إلى التركيبة المدنية وكانت نقلة بالغة الأهمية إذ أن الفرد قطع الرحم مع الجماعة وتمّ الكفّ عن الرجوع إلى الماورائيات في قطر العيش المشترك، علماً أنه في القرن الخامس في أيام الإغريق بقي الناس متديّنين، لكنهم كفّوا عن الإحتكام إلى الماورائيات بالعلاقة فيما بينهم، وهذه المسألة بالإضافة إلى الإصلاحية الديمقراطية هما العامودان الأساسيان اللذان ارتكزت عليهما أوروبا، وهذه المعطيات وُجِدت على أثر التجربة الإغريقية التي عادت وظهرت بعد الفترة السوداء للقرون الوسطى في عصر النهضة .

المرحلة الثانية هي المسرح في عصر الإيلزابيثي التي كان شكسبير على رأسها، حينها كانت إنكلترا في مرحلة مفصلية أي الخروج من القرون الوسطى وممارساتها العنيفة والفاشلة إلى عصر النهضة، وكانت شخصية شكسبير تعيبرًا عن الفترة المفصلية وكيف تمّت التحولات الإجتماعية والتاريخية التي كانت في إنكلترا بعد أن قطع الملك إدوارد الثامن الرحم مع بابوية روما . وكان هناك لحظة حرية ولحظة غياب لأي مراجع تُحدّد مساحة التعبير مَكّنت الإنسان من طرح معاناته، فالمعاناة موجودة حتى في العصور الذهبية وغالباً ما تحمل هذه العصور تناقضات شديدة جداً .

أما المرحلة الثالثة قكانت مع المسرح السياسي الألماني في العشرينيات والتي حاولت أن تبلور وعياً جديداً خارجاً عن ثقافة الفئات الحاكمة، معتمدة على الأيديولوجية الماركسية .

هذه المراحل الثلاث تختصر أوروبا باستثناء عمل من هنا وآخر من هناك مثل “موليير” وغيره.. والباقي كلام زائد دون فائدة على مدى ألفين وخمسمئة سنة.

وفي لبنان عشنا فترة العصر الذهبي وهناك الكثير من الكلام حول المسرح اللبناني الذي لم يكن ذا أهمية كما صرّح زملائي قبل العام 1975 وهذا غير صحيح، فالمسرح اللبناني كان مهماً بقدر ما كان جزءاً من حركة واسعة تشمل الحركة المطلبية والنضالية والقومية وحركة التحرّر والنشر والشعر والإبداع على كافة الصعد.  والمسرح كان جزءاً من هذه الحركة الناجحة، ومن هنا كانت أهميته ولم تكن بطبيعة الأعمال بحدّ ذاتها، وإذا أردت العودة إلى تلك الفترة ومعرفة ما هي الأعمال الهادفة أجد أنها أربعة أو خمسة أعمال وليس أكثر، فلا يمكننا اعتبار هذه الأعمال أساساً نبني عليه، لذلك تميّزت كلّ هذه الفترات بغياب أو بضعف البُعد الماورائي بالحياة اليومية إذا صح التعبير. ولا يعني ذلك أن الناس تخلّوا عن الدين والإيمان،  لكن الدين لم يعد يلعب الدور الذي يتحكّم بالحياة المدنية للبشر، من هنا هذا الضعف خلق قلقاً وهذا القلق عُبّر عنه في العصر الإغريقي وفي العصر الإليزابيثي وفي أيام المسرح السياسي.

ودائماً أقول لطلابي هناك خمس مسرحيات عليكم معرفتها وهي: أوديب الملك، هاملت، دون جوان- موليير، فوستغيت وحياة غاليلية – بريشت، وهذه الأعمال الخمسة هي بانوراما عن الغرب، وهذه البانوراما وهذا الظرف غير موجودين في عالمنا لأن الدين ما زال يستجيب لكلّ التساؤلات المصيرية للبشر .

لقد كان هناك أعمال ذات بُعدٍ جمالي، كما كان هناك مبدعون في العالم العربي قدّموا أعمالاً مسرحية ذات قيمة . ولكن , إذا أمعنت النظر تجد أن هذه المسرحيات لم يكن لديها دلالة باستثناء الفترة التي تلت هزيمة العام 1967.

* أفهم من حديثك أن المسرح مرتبط بشكل أساسي بعملية الصدمة التاريخية أي بالمفاصل الأساسية.

الضيف: لا شك في ذلك، وهناك مَن يظن أن المسرح السياسي هو انتقاد للسياسة وهذا غير صحيح، إذا أخذنا عملاق المسرح السياسي “بريشت” هو عكس التحوّلات التاريخية الكبيرة على وعي البشر وليس أكثر. مثلاً، شخصيات “شكسبير” غالبيتها من القرون الوسطى تتحطم على أبواب عصر النهضة، حتى “هاملت” وقف بين عالمين نصفه إقطاعي ونصفه إنسان، ذهب إلى الجامعة وتملّك بالعقل وبالنظرة الفكرية الحديثة، فمن هذه الناحية كانت أهمية مسرح شكسبير، كما أن أهمية “بريشت” في شخصية “غاليلي” مثلاً الذي قال: الويل للأمم التي تحتاج إلى أبطال، فحين تحتاج الأمة إلى أبطال هذا يعني أن هناك مشكلة بمكان ما. وأنا لا أتنكّر للعمل الذي قاموا به على المسرح العربي، وكان هناك الكثير من المواهب التي عُبِّر عنها في مسارح تونس ومصر ولبنان حيث كان للكوميديا وقع جميل جداً على الناس بفعل المواضيع الهزلية أو الشخصيات الظريفة التي ظهرت على المسارح والمثل الأكبر “شوشو”.. ولكن، برغم كلّ هذا إذا بحثت في العمق تجد أن العمل الهادف ضعيف جداً، فالمسرح الفرنسي مثلاً كله مسرحية واحدة وهي “دون جوان” وصحيح أن باقي المسرحيات تحمل لغة أدبية مميزة  وتقنية بناء رائعة لكن المسرحية التي تعنى بكلّ المسرح الفرنسي هي “دون جوان موليير”.

*ما هو المُكوّن الذي يعطي لجلال خوري كناقد أن يقول أنه في المسرح الفرنسي هناك مسرحية واحدة فقط؟

الضيف: هذه المسرحية التي تطرح لأول مرة موقفاً ماورائياً حيث قام دون جوان بقتل الكوماندر ومن ثم توجّه إلى تمثاله في المدفن وقام الكوماندر بدعوته على العشاء فردّ عليه قائلاً أنا آتٍ إليك لماذا تتحداني، وقد قيل عن دون جوان أنه كان يبحث عن المطلق وإن بهذه الطريقة الشاذة في التصرف، لذلك هذه المسرحية مهمة جداً.

في يوم من الأيام ,سألني رجل سياسي مهم وأديب كيف اغتنى البرجوازي النبيل؟ قلت له لا أعرف، وكيف أصبح تارتوف محتالاً بعدما انتحل شخصية الكاهن ولماذا؟ في حين أن كلّ شخصية قدّمها شكسبير كان لها ماضٍ وحياة داخلية وفردية إجتماعية وحياة عامة سياسية، وهذه الشخصيات ذات البُعد الواحد غير موجودة في المسرح الفرنسي أو في غير مسارح باستثناء بعض ما قدّمه “تشيخوف”، من هنا نرى أنه لم يُوجد في الغرب شبيه  للأعمال التي قام بها شكسبير.

*فإذاً من الناحية العملية لا يمكن للكاتب وللمخرج وكل هذا الفريق المسرحي أن يوصل رسالة معينة للمُتلقي عبر المسرح فقط، هناك أسس وقواعد رئيسية تُجيز للعمل المسرحي العبور والإنطلاق.

الضيف: هناك ضرورة لوجود معنى.

*لكن الجميع يقولون أنهم رسموا الهدف ووضعوا المعنى!

الضيف: فإذاً أهمية هذا المعنى.

*برأيك التجربة المسرحية وتحديداً في العالم العربي لم تكن هادفة وذات أهمية؟

الضيف: هي تجربة جميلة جداً لكنها لا تعني شيئاً، وقد يكون هناك صحوة ضميرية لدى الإنسان العربي خصوصاً بعد الذي شهدناه من البربرية التي تظهر اليوم ولا ننسى أن خلفيتها البعيدة هي الرأسمالية . هؤلاء الذين نراهم يقومون بالذبح هم كومبارس ودمى، لأن المشكلة الكبرى هي مع الرأسمالية وما يجري في فلسطين أيضاً هو مشكلة مع الرأسمالية بالرغم من وساطة الصهيونية ..فالمعضلة هي أن تلتقي الرأسمالية مع التطرف والتكفير  ونحن نشهد اليوم كيف تتسلط المصارف على العالم وتلغي العملة حتى إذا أردت أن تشتري زجاجة مرطبات عليك أن تدفع عبر البطاقة للمصرف الذي يستغلها، لذلك أرى أن هناك وعياً جديداً يتبلور.

* وقد يكون هو الصدمة التي تحرّك المياه الراكدة في العمل المسرحي.

الضيف: وقريباً سيلعب المسرح دوراً بفعل العلاقة المباشرة بين الممثل والجمهور، فالمسرح لا يُصَنّع، المسرح حرفة ويُعرض بإطار معيّن وبحضور جسدي ومباشر للجمهور.

* سنحاول الإستفادة قدر الإمكان بما تبقى من الوقت فالأسئلة كثيرة وهناك حاجة للإجابات خاصة أن هذه المسائل لا تتم معالجتها بهذا العمق.

حضرتك تأثرت كثيراً ببريشت واتُّهمت بأنك دَنّست المسرح حين أتيت إلى لبنان، لماذا؟ علماً أنهم اليوم يعملون على بريشت.

الضيف: بعض الزملاء كانوا يعتبرون حينها أن إدخال السياسة إلى المسرح تدنيس له فالمسرح شيء مقدّس، والمسرح مسألة بسيطة وهو عبارة عن وقوف اثنين على الخشبة أحدهم يقول لا والآخر يقول نعم، وإذا قال الإثنان نعم فهذه مغناة وإذا قالا لا فيعني أنها مظاهرة . لذلك حين أتيت بأول مسرحية لبريشت اتهموني بأنّني أدنّس المسرح وأنه لا يجوز إدخال السياسة . فأجبتهم أنّ كلّ مسرح سياسي حتى عندما يتنكّر للسياسة، لأن المسرح له علاقة بالحياة الجماعية وكلّ حدث يطال الحياة الجماعية هو سياسة، يعني مسرح الفودفيل الذي يتغنّى بالحياة وكأنّ كلّ شيء على مايرام هو موقف سياسي، مسرح العبث الذي يعتبر أن الإنسان محكوم بهذا العالم إلى حياة لا آفاق لها – ومنها عبثية بيكيت وايونيسكو وأداموف – وهذا يعكس ذهنية برجوازية صغيرة عجزت بعد الحرب العالمية الثانية أن ترى ما هي مقوّمات الحياة التي تعيشها، لذلك هذا أيضاً موقف سياسي.

وبعد اتهامي بتدنيس المسرح بالسياسة جرّبت أن أفهم الشرق وبالأخص “النو” الياباني وأُعبّر عنه بأعمال، ظاهر المسرحية قد يكون مبنيّاً على عودة الطيف أو الشبح لكن مضمونها سياسي، وإذا بالناس في تعجّب، والقول هل يقوم بتحضير الأرواح..!!

أول مسرحية قمت بها هي “هندية راهبة العشق” وهندية هي الراهبة التي أتت من حلب وكانت مميزة إذ أنها بَنَت الطابق الأول من بكركي وكان لديها حوالي أربعمائة راهبة، لكن آخرتها كانت صعبة جداً حيث اشتكى عليها الرهبان اليسوعيون مع أنها كانت تلميذتهم، وأتى مندوب من روما ليُحقّق معها، وفيما بعد احتدم الأمر وشكّل صراعاً بين اللبنانيين والإرساليات الأجنبية التي لا يتكلم عنها أحد.. لا بل ممنوع الحديث عنها، صحيح كتبتها بهذا الأسلوب الذي ظاهره يدل على المسرح الطقوسي وقد يعتبره البعض على خطأ بالإضافة إلى الموسيقى التي تلعب دوراً مهماً، إنما جوهره.. عبارة بسيطة، وهي أن علاقتنا مع الغرب حتى في المذهب الواحد، هي علاقة سيد وخادم.. أي علاقة إستعمارية . لا أقولها بشكل خطابي، لكنها موجودة في قصة هذه الراهبة التي أسّست أربعة أديرة وكانت نهايتها مأساوية للغاية.

*من الواضح أن كل عمل لا يحمل همّاً سياسياً يُعبّر عن آمال وأحلام الناس هو ليس مسرحاً مكتملاً.

الضيف: حين أريد أن أحمل همّاً سياسياً يجب أن يُظهر موقفاً إنسانياً، فمنذ مدة سُئلت ما الذي يُحرّكك، أجبتهم القضية الفلسطينية؛ فقالوا لي ما زلت متأثراً بهذه القضية..!! قلت لهم نعم والمسألة بسيطة جداً، بغض النظر عن الإنتماء القومي وعن اللعبة الإستعمارية فأنا أنظر إليها كإنسان أنها عملية ظلم، ومن غير الممكن أن تكون فناناً أو مبدعاً وتتغاضى عن عملية ظلم بهذا الحجم . لذلك كانت هذه القضية هي المحرّك الأساس في فترة الستينيات الذي جعل المسرح اللبناني ناجحاً، حيث كان نصف اللبنانيين متضامنين مع القضية الفلسطينية إنطلاقاً من الإنتماءات،  والنصف الثاني إنطلاقاً من مفاهيم أخلاقية، علماً أنه لم يكن لا هذا ولا ذاك بالمطلق وكان هناك اشتباك بين الطرفين، فهذا المسرح كان له مبرّر، تماماً كالرجل والمرأة حين يتزوجان لا ينظران إلى بعضهما بل يتطلعان إلى المستقبل، ونحن كنّا كذلك نتطلّع إلى ما هو أبعد منّا ويجمعنا، لأننا لو تطلعنا إلى بعضنا البعض لكان كل واحد منّا رهين نواياه، وهذا ما حصل في العام 1975.

*برأيك فلسطين ما زالت تجمعنا كمثقفين ومسرحيين؟

الضيف: لأنّني واكبت الذي حصل في الستينيات وكيف كانت المواقف القومية تؤخذ بشكل ساذج، وحين أتت الحرب في العام 1967 رأيت ذات الأشخاص الذين كانوا قبل الحرب كيف كانوا ينظرون وكيف دخلت كلّ العقول النيّرة والمنفتحة من بعد العام 1968 بنظرة أبعد بكثير من هذه الإنتماءات الضيّقة، وهذا ما جعل الماركسية تتعمّم في صفوف الشباب، وهذه النقلة النوعية في نفس كلّ إنسان هي نتيجة هذا الحدث، واليوم أقول أن الذي يحصل هو من أبشع الظواهر الإنسانية لكنه يحمل في طياته إنسانية جديدة، وأنا على يقين أن كلّ هذا الدّم الذي يسيل والمؤامرة التي تحصل والتدمير الذي يحدث لا يمكن إلّا أن يكون له وقع على وعي البشر وهذا ما يهمني كرجل مسرح.

*على أمل أن تتحقق هذه الرؤية.

الضيف: أنت تقول على أمل وأنا أقول على يقين.

*ونحن معك على يقين أيضاً أن فلسطين ستبقى هي الجامع الحقيقي لكل الوجدان الإنساني وليس فقط الوجدان العربي.

الضيف: لا يمكن أن يخفى هذا الظلم عن جيل الشباب مهما حجبته عنه أو وضعت أمامه أموراً أخرى؛ فإنه يبقى موجوداً أمامه، كلّ يوم هناك اعتداء وإن كان يُطمس من قِبل وسائل الإعلام إّلّا أنه ينخر في ذهنه ولا يمكن الهروب منه.

*حضرتك عاشق سرمدي لبيروت، وقد مرّت هذه المدينة بمشهدية متناقضة على فترات من الزمن عشت معظمها، وفي مكان ما ساهمت بحركتها الثقافية إن كان على خشبة المسرح أو في المجالات التي عملت بها، اليوم كيف تصف بيروت؟

الضيف: كانت بيروت عدة قرى ,كلّ واحدة مطبوعة بطابع الفئة الأكثر عدداً، كالجميزة، البسطة، النهر، المصيطبة وإلى ما هنالك.. ولكن كان هناك مساحة للجميع وليست لأحد والتي كنّا نسميها الوسط التجاري وكانت محدودة بباب إدريس وامتدت فيما بعد إلى الحمراء، والحمراء منذ البداية كانت مختلطة لذلك كان لكلّ فرد إنتماء إلى قريته الصغيرة إن كان في الجميزة أو الأشرفية أو مارمخايل أو النهر أو البسطة أو طريق الجديدة لكنه حين ينزل إلى المساحة المشتركة يصبح مواطناً بالمفهوم الإغريقي للكلمة، يعني بمكان ما يقطع الرحم بتصرفاته مع إنتماءاته الجمعية، وهذا الأمر لا يقتصر على اللبناني فقط، فالعراقي مثلاً الذي يعيش في مجتمعات ضيقة نوعاً ما بتفكيرها في بلده كان حين يأتي إلى هنا يشعر أنه فرد، هذه هي أهمية بيروت التي كانت تضم في ذات الوقت العالم الشرقي المبني على الإنتماء والعالم الغربي المبني على الفرد والقيم الفردية والكونية، هذا هو السحر الذي كان في بيروت إلى أن أتت الحرب وقسّمتها إلى قسمين ,لكن بقي لها مركزان وهما الحمراء وجونية . اليوم ,-هذا الوسط الجامع الذي كان يلتقي فيه الناس من كلّ الأطياف برغم الأوضاع الأمنية الصعبة لم يعد ملكاً للبنانيين، لذلك نحن ما زلنا ندفع ثمن الحرب اللبنانية بعد أن فقدنا المساحة المشتركة وأصبح هناك بعض البؤر في الحمراء، وهنا أو هناك تجمعُ الناس، لكن لا يوجد ذاك الرحم الذي كان في بيروت، وأنا لست ممّن يتغنّون بالماضي لكن هذا هو الواقع.

* يعني اليوم بيروت فقدت هويتها؟

الضيف: لم تفقد هويتها بل فقدت تكوينها وروحها، اليوم بيروت شئنا أم أبينا “بيروتان”، وإن كنت أحب الذهاب إلى بيروت الثانية لكن لا أنسى أنّني من تلك الجهة وذات الأمر بالنسبة للآخر، نحن في حالة ذهاب وإياب وكأن شيئاً لم يكن، لكن في العمق أشعر.. أنه لا يزال هناك بيروتان، وقد أكون مخطئاً وأرجو ذلك.

* اليوم أصبح من السهل علينا أن تبقى بيروت بشقيها الغربي والشرقي فالخوف من أن تتحول إلى “بيروتات” في هذا الزمن الرديء. هل يمكن للمسرح أن يقوم بعملية تجميع وما هو دوره في ذلك؟

الضيف: المسرح يظهر في فترات مفصلية ولكن على المسرح كمُخطّط -ولا أدري كم هي قدرته -أن يُعيد خلق المساحة المشتركة وليس على أرض الواقع إنما في نفوس الناس، وإذا أوجد هذه المساحة نكون قد عوّضنا هذه الخسارة.

* لكن اليوم أليس المسرح أيضاً هو من يعكس المشهد التقسيمي غير المباشر الموجود في المنطقة وفي لبنان وفي بيروت وفي كل الإتجاهات؟

الضيف: المسرح جزءٌ من ممارسات عامة؛ وسأعطيك مثالاً على ذلك .في إحدى المرات أتى عالم إجتماعي أميركي يدعى “روبرت برتون” وأجرى دراسة حول تكوين السلطة في إطار العصابات، فتبين له أن تكوين السلطة عند العصابات في كلّ بلد يشبه تكوين السلطة العامة، ويمكننا أن نأخذ مثلاً روسيا القيصرية اليوم كلّ من يأتي على رأسها يصبح “قيصري”، أما لبنان فهو إمارة مهما تغيّرت وجوه الحكم.. واليوم حاولوا أن يجعلوه مشيخة لكنهم عجزوا، لذلك يقولون في الطابع المسيطر أن المسرح في لبنان على غرار فترة الضياع التي نعيشها، لكن على قدر ما هي مؤلمة لكنها عرضية، واليوم هناك مسألة تُعزّينا وهي أننا قهرنا إسرائيل مما أعاد الأمل والفرحة لكلّ إنسان، يعني هذا البلد الصغير الذي قال عنه “رابين” أن بإمكان الفرقة الموسيقية للجيش الإسرائيلي أن تحتله قد قلب المعادلة .

* على كلٍّ أنت لك تجربة تاريخية منذ الستينيات حين عملت على موضوع الصهيونية وكنت عملياً من الرواد في هذا الشان.

الضيف: لقد قمت بعمل مسرحي بعنوان “وايزمان وبن غوري وشركاه” وذلك بعد الصدمة التي تعرّضت لها في العام 1967، حينها أخذت أبحث وأدرس في تاريخ الصهيونية وكيف نشأت ولماذا نشأت وبأي طرق، وآنذاك كان هناك موجة المذيع أحمد سعيد في صوت العرب أقتلوهم أقتلوهم أقتلوهم، وكنت أريد الهرب من كل شيء داخله الديموغاجية الممكنة، فكتبت مسرحية تحاول أن تُصوّر صعود الصهيونية بإطار عالم عصابات في صقليا، وتناولت في أحد المقاطع ما حصل عام 1938 بعد صدور الكتاب الأبيض ما قاله “ميكائيل البرزواري” الذي كان مؤرّخاً لبن غوري وأصبح نائباً فيما بعد، وآنذاك هلعت إنكلترا وحاولت أن تحدّ من قدوم اليهود إليها ولو ظاهرياً، وقام “أبراهام شتيرن” مؤسس ” … ” الذي كان بن غوري وأمثاله تلاميذاً لديه، بإصدار قرار وأعلن أنه على اليهود أن يناصروا كل أعداء إنكلترا بما في ذلك ألمانيا النازية، وكان ذلك سنة 1938 أي بعد أربع سنوات من صدور قوانين معادية للسامية، وطبعاً نقلتها كما هي بصورة مسرحية، وأذكر تماماً كان نهار 31 كانون الأول حين ضربوا مطار بيروت، وبعد ظهر ذاك اليوم التقيت بشخص يعمل في الإذاعة اللبنانية فقال لي اليوم على إحدى المحطات الإسرائيلية وفي برنامج “حقيقة وأكاذيب” أتوا على ذكرك مطولاً وانهالوا عليك بالشتم والإهانات، فقلت له لا يهم لأنّني شعرت أنهم قد انزعجوا وتأذوا من هذا العمل خاصة أن مراجعي عندهم ولا يمكنهم أن ينكروا، كما أنّني تعاطيت من هذه الناحية بكثير من المنهجية إذا صح التعبير رغم الغوغائية التي كانت في تلك الأيام بخصوص نظرتنا لإسرائيل.

* لقد نلت بهذا العمل وساماً بإزعاج العدو الإسرائيلي.

الضيف: وإن شاء الله دائماً.

*على أمل أن تستمر بإزعاجهم نحن سعداء جداً بحضرتك، ولك جزيل الشكر على هذا الحضور المميز والتاريخ المشرق حقيقة والذي يعبق بالكثير من العطر الجميل الذي قدمته على خشبة المسرح والثقافة بشكل عام.

الضيف: شكراً لك دكتور وسام ويسعدني أن أكون معكم دائماً.

*سنلتقي إن شاء الله معك أستاذ جلال خوري الكاتب والمخرج المسرحي في حوارات أخرى لنستكمل هذا التاريخ وهذه الرؤية.              

https://www.youtube.com/channel/UC0AuXJduId6PcXIkK9x1phw

لمتابعة البرامج عبر صفحة د. وسام حمادة

لمتابعة الحلقة مع المخرج المسرحي والناقد الفني  “جلال خوري”

متابعة وإشراف: سهام طه

إعداد وتقديم: د. وسام حمادة

شاهد أيضاً

الغدير.. حين تتحول الولاية من شعارٍ يُرفع إلى منهجٍ يُمارس

  أ. محمد البحر المحضار … في كل عام يعود الثامن عشر من ذي الحجة …